ويلتحق بهذه المفطرات كل ما في معناها كالإبر المغذية التي تقوم مقام الطعام والشراب ويغذى بها الجسم , فهذه يفطر بها الصائم وعليه القضاء , وأمام ماعداها فلا يفطر على الصحيح , وقطرة العين والأذن لا تفطر لأنهما ليسا منفذين إلى الجوف , وكذلك الكحل لا يفطر به الصائم , وأما قطرة الأنف فإنها تفطر , لأن الأنف منفذ إلى الجوف.
والسواك يجوز استعماله في سائر الأوقات لعموم الأدلة , ولا يفطر به الصائم حتى الرطب منه على الراجح , وفي معناه المعجون يجوز للصائم استعماله , وإن كان فيه حلاوة شديدة لها تأثير , والمطلوب التحرز منه قدر الإمكان , وفى أهمية التحرز منه يقول الناظم:
وليحذر المعجون في الصيامِ ... ليأمن الوقوع في الحرام
وإنه في الحكم كالسواكِ ... مرخَّص من غير ما اعتراك
وابتلاع الريق لا يفطر ولا يضر , لأنه لا يمكن التحرز منه, واتقاؤه شاق , ونظيره غبار الطريق , وغربلة الدقيق.
وما يصيب الإنسان من جروح وكسر الأضراس لا تفطر , ولكنه يحتاط من ابتلاع شىء من ذلك ويجوز للصائم التبرد بالماء والاستحمام ليدفع شدة الحر , إذا احتاج لذلك يجوز للصائم ذوق الطعام ليعرف حلاوته من ملوحته كما أفتى كذلك ابن عباس رضى الله عنهما , ولا يبلع شيئًا من ذلك.
أما بالنسبة لشم الروائح فهذا يجوز ولا يؤثر على الصيام , لكن يبتعد عن البخور لأن له جرمًا , فيؤخره إلى الليل إذا أراده كما هو رأى بعض مشايخنا جزاهم الله خيرًا.
الدرس السابع
رسولنا صلى الله عليه وسلم في رمضان
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه:
أيها الإخوة الكرام: سيكون الحديث في هذا المساء عن الرسول الكريم في رمضان , إن من يتحدث عن محمد صلى الله عليه وسلم في رمضان يتحدث عن مدرسة الخير والجود في رمضان , فحديثنا عنه حديث عن الدين الإسلامي في كماله وجماله , وحديثنا عنه حديث عن العبادة الحسنة , وعن الصيام الزكي , وعن القنوت الدائم.
هل يعقل يا صائمون أن يصوم المسلم ولا يعرف شيئًا عن رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الكريم؟ ! كلا! لا يصح ذلك ولا يليق!!
وهناك مسائل في هذا الدرس:
الأول: كان رسولنا صلى الله عليه وسلم ينبه صحابته إلى رمضان , مبشرًا لهم , وحاضًا على العمل والمسارعة وكان فيه خير الصائمين , وأفضل القانتين.
الثانية: كان يخص رمضان بالإكثار من الطاعات , والجد في القربات كما ذكره ابن القيم في زاد المعاد , فيملؤه بالذكر والتلاوة والصدقة والاعتكاف , بل كان يواصل بعض الأحيان ليوفر الساعات كلها في العبادة.
والوصال المراد به: مواصلة اليومين والثلاثة بلا إفطار , وهو من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا يجوز لأمته بل هو محرم في حقهم , وإنما يجوز لهم وصال إلى السحر في اليوم الواحد.
قال الشيخ حافظ رحمه الله:
وقد نهى النبي عن الوصالِ ... أي صوم الأيام مع الليالي
مع فعله له فلا للحرمةْ ... ذا النهي لكن رحمة بالأمة
وقال العبد الفقير:
وواصلن إنْ شئت للأسحارِ ... للخبر الوارد في البخاري
من آخر الإفطار للسحورِ ... ما كان خارقًا لذا المحظور
والخبر الوارد في البخاري هو حديث أبي سعيد (لا تواصلوا وأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر) .
ووصال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تطيقه الأمة وقد قال: (إنكم لستم كهيئتي , أني أبيت عند ربي يُطمعني ويَسقيني) .
وهذا الطعام والشراب معنوي وهو عبارة عما يفيضه الله عليه من المعارف والدلائل النورانية فينعم بلذة العبادة، وبالقرب والشوق من ربه، مما يجعله لا يسأل عن طعام ولا شراب كلذة المحبوب بمناله، وفرحة الظافر بما يهواه، وهذا ما قرره ابن القيم وابن رجب رحمهما الله، وأنشد عليه ابن القيم قول الشاعر:
لها أحاديثُ من ذكراك تَشغلُها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نورَُ تستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي
إذا اشتكت من كَلال السير أوعدها ... روحُ القدوم فتحيا عند ميعاد
والشاهد من الكلام مضاعفة العبادة في هذا الشهر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (كان رسول صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان) . وقد كان جبريل عليه السلام يراجعه القرآن كل سنة، وفي العام الذي قبض فيه راجعه مرتين.
وجوده صلى الله عليه وسلم كالريح المرسلة، ولم يكن مقتصرًا على الإنفاق بل كان يتنوع ويتلون , يجود بماله ونفسه وجاهه وعلمه، لا يترك بابًا من الخير إلا طرقه كما أقاده ابن رجب في لطائف المعارف.