2 -أنه خلاف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يرتل القرآن , فيعيش أسراره، ويتأمل عجائبه، ويبكي لزواجره وتهديداته.
3 -أن المنتفع بالقرآن مَنْ تدبره وتأمله، وعاش أسراره وأنواره، وأما القراءة السريعة , فإنه وإن حصل أجر التلاوة، فقد فاته خيرًا كثيرًا، وأما الهذ والهذرمة التي تسقط الحروف فهذه ليست من الخير في شيء.
وقد قال عمر رضي الله: (شر القراءة الهذرمة) ولا يجوز للمسلم أن يقرأ قراءة ينقص فيها الحروف , ويخل فيها بالمعنى.
4 -أن القراءة السريعة هي في الغالب أقل من قراءة الترتيل، وقد ذكرنا في درس سابق المفاضلة بين القراءتين، وأن الترتيل أقل قدرًا، والحدر أكثر عددًا.
وهنا مسائل حول التدبر:
المسألة الأولى ـ معنى التدبر:
وهو تدبر معاني القرآن، والتفكر فيما تدل عليه من مدلولات وأحكام وأسرار.
قال بعضهم (تدبره في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك بالإقبال عليه) .
لذا ليحرص المسلم عند قراءة القرآن أن يُحضر قلبه، ويعمل فكره فيه، ويتدبر قدر الاستطاعة وليجاهد نفسه في ذلك، وليحاول الانعزال عن الدنيا والتفكير فيها، وليسأل الله التوفيق والإعانة. والصوم سبيل بإذن الله للإقبال على القرآن وتدبره لأن الصائم متقلل عن الكلام، مبتعد عن الطعام، وفي ذلك سبب للصفاء والفهم. وإذا عكف على التلاوة في المسجد، وانقطع لذلك، كان أدعى للفهم بإذن الله وقد جاء عن بعض السلف أنهم كانوا إذا صاموا جلسوا في المسجد.
المسألة الثانية ـ من الأمور المعينة على التدبر:
1 -الإيمان الصادق بهذا الكتاب، وأنه من عند الله , منه بدا وإليه يعود، وقد أنزله الله هدى ورحمة للعالمين، يشرح صدورهم، ويهدي ضالهم، ويثبت مؤمنهم، ويشفي سقيمهم. فإذا آمن العبد بهذا القرآن حق الإيمان يكون قد نصح له وأخلص.
وفي الحديث المشهور (الدين النصيحة) وكررها ثلاثًا قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.
فالنصيحة للكتاب هي الإيمان به والعمل عليه وتدبره وتفهمه.
2 -أخذه بقوة وحزم: لابد للمسلم في إيمانه بهذا القرآن أن يحمله بقوة وحزم كما قال تعالى: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) وأن يستشعر أنه يلتجئ إلى ركن شديد يؤمن به، ويعمل به، ويعيش مواعظه , وفي ذلك عون بإذن الله على تدبره.
3 -استشعار أنه نزل للتدبر: لم ينزل القرآن للتلاوة فحسب، أو لترديده في المحافل ونحوها وإنما أنزل لكي يتدبر، قال تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) ، إذن لابد أن يعتني المسلم بهذه الحكمة الجليلة من نزول الكتاب ومن مقولات الحسن الجميلة (نزل القرآن ليتدبر ويعمل به فاتخذوا تلاوته عملًا) .
4 -تحسين الصوت به، والقيام به: الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا، ويجعل للآيات موقعًا من القلب، لا سيما إذا صاحب ذلك صدق في محله والتأثر به.
وأيضًا الصلاة به في الليل كالقيام وغيرها، سبب لتدبره، قال تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) . والمعنى: أنها توطئ السمع والقلب والبصر لانعدام العوائق ,ويحصل النفع
5 -الإنصات عند سماعه: وهذا أدب رفيع يستعمله المؤمن مع القرآن أنه لا يتكلم ولا يهذي عند سماع هذا الكتاب إجلالًا له، وتأدبًا مع مواعظه، قال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف: 204] . فإذا أنصت المرء لآياته ساعد ذلك على الإقبال عليه والخضوع له، وهذا معين على تأمله والانتفاع به.
6 -صحة التلاوة وسلامتها: وهذا أمر في غاية الأهمية، وقد أهمله كثير من الناس مع انتشار الوسائل المعينة على التعلم سواء من خلال الحِلق، أو الأشرطة الصوتية، وكلما سعى المؤمن في تحسين تلاوته وتصحيحها كان أدعى لتدبره لأن سلامة النطق تزيد في الفهم، فمن كان يلحن في القراءة كيف سيتدبر وهو يغير المعنى؟! لا شك أن سلامة التلاوة مهمة جدًا، والله الموفق.
7 -الجهر بالتلاوة: ونعني بها رفع الصوت المعتدل فهو سبب في جمع القلب وإقبال الإنسان , ومنع شرود الذهن , وفي صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن يجهر به) .
8 -معايشة الآيات: يستغرب من كثيرين إذا قرأ القرآن، كأنه يقرأ كلامًا لا يعرفه أو يظن أن هذا القرآن لأمةٍ مضَت وذهبت، وليس له منه إلا الترداد والتذكار!! وهذا خطأ لابد أن يستشعر المسلم أن هذا القرآن له يخاطبه كمؤمن مصدق به ولا ينأى بنفسه عن توجيهاته وخطاباته.
قال ابن مسعود: (إذا سمعت الله يقول في كتابه يا أيها الذين آمنوا فأصغ لها سمعك فإنه خير تؤمر به أو شر تصرف عنه)
وأيضًا ليتأمل أخبار الجنة وأهلها، وأخبار النار وأهلها، وليعش ما يُقص من أنباء الأمم , ويعتري الدعوة الإسلامية في كل زمان ومكان.