فهرس الكتاب
... ... الشاعر الرمزيّ مستوفز الإحساس، متيقظّ الجوارح، يَغْرق في الطبيعة فيصبحُ مصوّرًا تلتقطُ عينه الألوان والظلال والأشكال بل اللوينات الدقيقة ثم يترجمها بمختلف صفاتها ودرجاتها ودلالاتها وينتبه لما يعنيه الملمس والشكلُ وما تؤدّيه الحركة من معنى، ولا يهملُ روائع الأشياء.. من هذه النوافذ الطبيعية يدخل، ومنها ينطلق ويسوح. وإنّ مظاهر العالم الطبيعي تشعره بالتماثل مع العالم البشريّ والتخاطب معه. وكلّ معطيات الحواسّ تتشابك وتتخاطب وتتبادلُ وتتراسل.. فالشّعر يُنْثَر والرمادُ يُسكب، وللنجوم حفيف، وللوهم ظل، والخضرة تثقب، والنهرُ يغنّي، والأشعة تزْبد، والأنوار تهطل، والانتحاب طويل، والصوت ناعم أو خشن، والسخرية صافية أو ثقيلة، والثقوب زرقاء، والرنين أزْرق، واللاّزورد يُغَنّي.. ولكل شيء محسوسٍ دلالة ومعنى. فالأحمر ثورة، والأسودُ عدم، والرمادي كآبة، والأخضر حياة.. الخ والأصوات لها ألوان، كما في قصيدة الحروف الصوتية لرامبو:
Aأسود، Eأبيض، Uأخضر، Oأزرق..
... ... فهنالك -كما ترى- لغة جديدة تقوم على إسنادات وتركيبات جديدة وغريبة ولكنها ليست عابثة ولا مجانية، إن المعطيات الحسيّة، باجتماعها تغدو كيمياء تصنع دلالات جديدة بالغة البلاغة على ما فيها من إيجازٍ وتكثيف، وما تمنحه من شعورٍ بالجدة والدهشة والمفاجأة.