فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 209

إن الكاتب الواقعي يخلق أشخاصه ويرسم ملامحها ويصوّر البيئة كما يشاء، ولكن ضمن الأطر المألوفة التي لا نشعر إزاءها بالغرابة والاستنكار. وبهذا يشبه اللَّوحة الفنيّة التي يرسمها الفنّان مستمدًا عناصرها من الواقع الخارجيّ الحقيقيّ ومخيّلًا لك واقعًا آخر هو واقعه الخاصّ الذي يراه من زاويته الإبداعية الحرّة. فنراه يتلاعب بالألوان والظّلال والخطوط والأشكال والتكوين كما يشاء دون الابتعاد عن منطق الواقع وطبائعه في الإنسان والمحيط.

فالواقعية الأدبية إذن هي تصويرٌ مبدعٌ للإنسان والطبيعة في صفاتهما وأحوالهما وتفاعلهما، مع العناية بالجزئيات والتفصيلات المشتركة للأشياء والأشخاص والحياة اليومية ولو كانت تفصيلاتٍ مبتذلة وكل ذلك ضمن الإطار الواقعيّ المألوف. إنه واقعٌ لا يشترط فيه الأمانة والصّدق في النسخ بل كلّ ما يشترط فيه"الصدق الفنيّ"وبهذا يتحوّل الكاتب إلى فنانٍ مبدع لا إلى نسَّاخ، أو كاتب تقرير...

2-أسباب نشأة الواقعيَّة:

1-نشأت الواقعيّة الأوربيّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ردًّا على المدرسة الرومانسيّة التي أوغلت في الخيال والأوهام والهواجس والأحلام والانطواء على الذات والفرار من الواقع الاجتماعي منزويةً في الأبراج العاجيّة ومبتعدة عن الواقع المعيش، ومنصرفة تمامًا عن معالجة شؤون الإنسان وشجونه في صراعه اليوميّ ضمن مجتمعه المصطخب وظروفه الموضوعية وهكذا جاءت الواقعية ردَّ فعلٍ على الرومانسية واحتجاجًا عليها من الناحية الموضوعية؛ بينما جاءت البرناسية والرمزية ردًا عليها من الوجهة الشكلية والجمالية.

2-مما دعا إلى نشوء الواقعية التقدم العلميّ والإنجازات والكشوفات الهائلة في مجالات العلوم كالبيولوجيا وعلم الطبيعة والوراثة، وفي الدراسات التجريبية الإنسانية والاجتماعية والمنحى الوضعي في الفلسفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت