فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 209

لم تبرز الواقعية مدرسةً مستقلّةً واضحة السّمات إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر؛ إلاّ أن معالمها بدأت بالتكوّن والظهور منذ عام 1826 أي في إبّان الفترة الرومانسية ولم يكن اصطلاح (الواقعية) قد ظهر بعدُ. لأن الاصطلاح يأتي متأخرًا، إذ يضعه النقاد عادةً بعد أن تظهر بوادر أدبية جديدة وتكثر حتى تلفت النظر والتأمّل وتقتضي الدراسة والوصف والتصنيف وحين ذاع هذا الاصطلاح كان يقصد منه المذهب الذي يستقي عناصره من الطبيعة مباشرةً، لا من النماذج الكلاسيكية، وفهم بعضهم منه التفصيلات المستمدة من البيئة المحليّة التي تشعر القارئ الانطلاق من صميم الواقع وصدق التصوير. وكثيرًا ما وضع النقاد تحت عنوان الواقعية ذلك الأدب الذي صدر عن كتّابٍ رومانسيين مثل بلزاك وهوغو... ولكن النقاد ما لبثوا أن لاحظوا بروز مذهب جديد في الأدب قوامه تصوير العالم الحقيقي تصويرًا أمينًا، ووصفُ الحياة المعاصرة بطريقة الملاحظة والتحليل والعرض الموضوعي، بمنأىً عن الذاتية والانفعال الخاص، وشيئًا فشيئًا تبلور هذا المذهب وانسلخ عن الرومانسية وأصبح له أعلامه الكبار مثل بلزاك وستندال وفلوبير وميريميه والأخوان غونكور ودوماس الصغير وغيرهم... لقد كوَّن هؤلاء مدرسة ذات معالم جديدة دون أن يُعترفَ بها رسميًّا في عالم الأدب والنقد، ودون أن يَعُوها هم؛ حتى إن فلوبير كان يغضب حين يوصف أدبُه بالواقعية. و كان لهذا الاتجاه خصومٌ رفضوا الاعتراف به وأخذوا عليه الإفراط في التفصيلات الماديّة وإهمال المثاليات واختفاء شخصية الكاتب.. وقد برز هذا الصراع جليًا حين ظهرت قصة (أسرار باريس) عام 1843 للكاتب الفرنسي أوجين سو. وهي قصة مأخوذة من الواقع الشعبيّ تصوِّر آلام الطبقة الفقيرة ومخاطر البؤس، والمكائد التي تحصد الشعب وتحرمه من كل رعاية وحماية؛ كما تصوّر الأفكار والعقائد والمشاعر العامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت