فهرس الكتاب
وللواقعية الأمّ خصائص تميزها عن المدرستين الكلاسيكية والرومانسية وتجعلُ منها نهجًا أدبيًّا ذا معالم خاصة وماهيّة مستقلّة شملت الآداب الأوربية أكثر من نصف قرن. ولا تزال آثارها باقية ومستمرةً في القرن العشرين. ويمكن إجمال هذه الخصائص فيما يلي:
1-النزول إلى الواقع الطبيعي والاجتماعي والانطلاق منه، أي الارتباط بالإنسان في محيطه البيئيّ وتفاعله وصراعه مع المحيط الطبيعي والاجتماعي. من هنا يستمد الكاتب موضوعاته وحوادثه وأشخاصه وكلّ تفصيلاته. إنه ينزل إلى الأرض والبشر، ويصرف نظره عما عدا ذلك من المثاليات والخياليات، وما يهمُّه هو الأمور الواقعة التي يعيشها الناس ويعانونها. وكلمة (الناس) أو (الإنسان) يقصد بها هنا الإنسان المشخّص الحيّ الذي يضطرب في سبل الحياة والمعيشة، والذي له وجود حقيقيّ إنه المحور في الأدب الواقعيّ، وليس الإنسان المثاليّ العام المجردّ الذي كان محور الأدب الكلاسيكي. ولا الإنسان المنعزل المنفرد، الهارب من المجتمع الذي كان محور الأدب الرومانسيّ، إنّ إنسان الواقعية هو الفرد في تعامله وتفاعله ضمن تيار المجتمع والتاريخ المؤثر فيه والمتأثر به، الصانع والمصنوع في آنٍ واحد وقد ألمحنا فيما سبق إلى الدواعي التي سببت هذه النّقلة الجوهرية. وقد يكون الفرد في المذهب الواقعي نموذجًا، لكنه نموذج نوعيّ وليس عامًّا. إنه نموذجٌ يضم كل الأفراد الذين هم على شاكلته، والمجتمع يتكوّن من نماذج كثيرة منها الإقطاعي والرأسمالي والعامل والفلاح والبورجوازي والتاجر والمرابي ورجل السلطة والمرأة الطيّبة... الخ. وقد حرص كتاب الرواية والمسرحية الواقعيون على رسم هذه النماذج وخلقها لا من العدم والخيال بل من خلال الواقع. وقد عزفت الواقعية عن التعامل مع العالم الغيبي كالجنّ والأرواح والأشباح والملائكة والتشخّص والتجسّد الألّيغوريّ والأساطير والأحلام والمصادفات والخوارق...