فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 209

لأن هذه الأمور كلها لا تعنيها في شيء، والذي يعنيها فقط هو الإنسان بلحمه ودمه وأعصابه وغرائزه ومشاعره وحاجاته ومطامحه وآلامه وأفراحه المرتبط بالأرض وما حوله من الناس وما يحيط به من الظروف الموضوعيّة.

... ... ولهذا السبب سمَّى بلزاك مجموعة رواياته المئة (الملهاة البشرية) في مقابل (الملهاة الإلهية) لدانتي.

... ... إن الواقعية تنطلق من جميع طبقات المجتمع وأصنافه، من أدنى الطبقات الفقيرة والمعذبة والمسحوقة إلى أعلى الطبقات النبيلة والثريّة والمسيطرة. هنالك العمال والفلاحون والأجراء والمالكون والتجار والمرابون واللصوص والشحاذون والمحتالون والمجرمون والمنحرفون والسجناء والعواهر والسكّيرون واليائسون ورجال السلطة والحاكمون والعلماء والفنانون والنساء والأطفال وذوو العاهات... هنالك المجتمع بكامله، وبكل أعضائه وأجزائه. إليه ينزل الكاتب وفي أرجائه يتجوّل، ومنه ينطلق، ولأجله يكتب؛ لا لأجل فئة معيّنة يبتغي رضاها ونوالها. إن الشعب أصبح هو السيّد المحترم وليس البلاط أو الحامي النبيل. وقد أسهم في هذا الانقلاب الكوبرنيكيّ التطوّر الديمقراطيّ الذي أسفرت عنه الدراسات الاجتماعية والآداب والثورات وما حمله من مبادئ الحرية والعدالة والأخوة والمساواة والديمقراطية وقيمة الفرد ودوره في المجتمع الذي يناضل للتحرّر من كل سلطان مستبد أو أي متحكم سابق سواءٌ أكان متمثلًا في السلطة الملكية أو الامبراطورية أو الكنيسة أو الإطار الاقطاعي والرأسماليّ... وقد ساعد على الاتجاه نحو الشعب انتشارٌ الطباعة والصحافة على نطاق جماهيري واسع يستطيع الكاتب من خلاله الوصول مباشرة إلى كلّ القراء، ويقيس نجاحه بمقدار إقبالهم على قراءة نتاجه وتعاطفهم مع أطروحاته التي هي أطروحاتهم في الوقت نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت