فهرس الكتاب
... ... ولا بدّ من الإشارة إلى أمرين هما من لوازم الواقعيّة أوّلهما: العناية بالتفصيلات الدقيقة والثانويَّة حتى التافه منها مما يتعلَّق بوصف الملامح والأصوات والألبسة والألوان والحركات والأشياء... إمعانًا في تصوير الواقع وكأنّه حاضر. والثاني: التركيز على الجوانب السلبيَّة من المجتمع كالأخلاق الفاسدة والاستغلال والظلم والإجرام والإدمان.. حتى لقد دُعيت بالمتشائمة، وفي الحقيقة لم يكن هذا ناشئًا عن التشاؤم بقدر نشوئه عن الرغبة في الرّصد والمعالجة. إن أبرز مخازي ذلك المجتمع المصطخب يصدر عن غاية خفيَّة وظاهرة في آن معًا، فهي خفيَّة لأن الكاتب لا يريد إيجاد الحلّ بنفسه ولكنه يصوّر الأمور تاركًا القارئ يبحث عن الحلّ. وهي ظاهرة لأن من طبيعة المذهب الواقعيّ الاهتمام بمصير الإنسان والأخذ بيده إلى مستقبل أفضل...
2-حياديّة المؤلف: وهي تعني العَرْضَ والتحليل وفق واقع الشخصيّة وطبيعة الأمور وبشكلٍ موضوعيٍ لا وفق معتقدات الكاتب ومواقفه السياسيّة أو الدينية أو المزاجية أو الفكرية أو القيميّة. الكاتب هنا شاهدٌ أمين. يدلي بشهادته حسب منطق الحوادث ومبدأ السببيّة والضرورة الحتميّة وليس كما يهوى ويريد. وهذا لا يعني أنه غير مبالٍ بما يجري حوله، بل يعني أنه لا يريد أن يفرض رأيه وميوله على القارئ. وكما أسلفنا إن الأدب الواقعيّ ليس مجانيًا ولا عابثًا بل له غاية نبيلة غير مباشرة إذا تجرّد منها سقط في الفراغ والتفاهة والعبث والخلب الخادع الذي يقصد منه تزجية الوقت والتسلية وهذا النوع من الأدب هو أرخص الآداب وأدناها.