فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 209

... إن الكاتب الواقعيّ يبدو حياديًا، ولكن براعته في أنه يقود القارئ إلى موقف بحسب القوانين السيكولوجية في المؤثرات وردود الفعل. فالقصة تغدو مؤثرًا يستثير عفويًا موقفًا من القارئ نفسيًا أو سلوكيًا. فالكاتب لا يأمر ولا ينهى ولكنه يضع القارئ مثلًا في موقف رفض أو قرف، فينتهي من تلقاء ذاته؛ ويثير إعجابه بأمرٍ إيجابي فيقبل عليه، ويخلق عنده نوعًا من التعاطف مع النموذج البشري فإذا به يحبّه ويقدّر فيه فضائله أو يكرهه ويمقت مخازيه.

... إن الكاتب الواقعي لا يخاطب القارئ مباشرة بل من وراء حجاب يثير المشكلة وينسحب تاركًا الحكم للقارئ بعيدًا عن الخطابة والوعظ وأسلوب المحاضرة والتربية... وحين يعمد الكاتب إلى التقرير والهيمنة تهبط قيمة أدبه. إن من أهم مزيا الأدب الواقعي تحريض الفكر وشحذ الإرادة وتقوية الشخصيّة وإشعار القارئ بأنه مسؤول عن مصيره ومصير مجتمعه ومشارك للكاتب في البحث عن الأسباب والدوافع وإيجاد الحلول. نعم..., قد يوحي الكاتب ويمهّد ويرهص ولكن من خلال اختياراته ووصفه وسرده.... وهذا لا يتنافى والحياد.

3-التحليل: أي البحث عن العلل والأسباب والدوافع والنتائج فلكل ظاهرة اجتماعية سبب والظاهرة الاجتماعية كالظاهرة الطبيعيّة تخضع لمبدأ السببيّة. وللظواهر المتماثلة أسباب متماثلة، وإذن فهنالك قانون يختفي وراء الظواهر والأسباب. والأديب الواقعيّ لا يعرض الظاهرة أو المشكلة مجرّدة. بل يبحث عن سببها ويوجّه النظر إليه ليصل بالقارئ إلى القوانين المحركة للمجتمع التي تكون من طبيعة اقتصادية أو سياسية أو دينيّة أو سلطويّة... وبهذا يزداد وعي القارئ واستبصاره وقدرته على التحليل والتأمّل والملاحظة والاستقراء ويصبح مؤهّلًا لوعي الواقع وتفسيره وقادرًا على تغييره. ولكنْ.. كيف؟ وفي أيّ اتجاه؟ هذا ما لا يقوله الكاتب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت