فهرس الكتاب
4-الفنيّة الواقعيّة: قال بعض النقاد:"إن الواقعية علميّة وليست جماليّة"ولئن صحّ الشطر الأول من هذه المقولة فعلى الشطر الثاني اعتراض. إن النصّ الواقعيّ ليس كتابة لبحثٍ علمي أو تقرير صحفي، إنه الأدب، والأدب فنّ، وكل فن يبتغي الجمال...! ويتفاوت الكتاب في درجات الفن، كما هو الأمر في بقية الفنون، بين الشعوذة والعبقرية، ولا جدال في أن للواقعية جماليتها التي تتلخص خصائصها فيما يلي:
أولًا- فضّل الواقعيون النثر على الشعر لأنه اللغة الطبيعية للناس أما الشعر فبالرومانسية أشبه ولها أنسب. فاختاروا جنسي الرواية والمسرحيّة، ونالت الرواية النصيب الأوفى من أدبهم لأنها تتيح مجالًا واسعًا ومرنًا للوصف والإفاضة والتحليل، وتستوعب أزمانًا طويلة وتغطي أمكنة كثيرة وتتضمّن شخصياتٍ غير محدودة. وأتت المسرحية في المقام الثاني ثم جاء الشعر في وقتٍ متأخر مع المدّ الاشتراكيّ. وهذا لا يعني أن النثر الواقعي مجرّد من عنصر الشعريّة بصرف النظر عن الوزن والقافية. لقد استفاد كتاب كثيرون من اللمسات الشعرية المستحبّة ولا سيما في تصوير العواطف والتصوير الخيالي الفنّي. كما فعل بلزاك الذي عرف كيف يستفيد من الرومانسية في إبائها فأكسب أسلوبه الحيوية والحرارة وبراعة الصورة وموسيقا العبارة، فأقبل الناس على كتاباته بشغف بخلاف زميله ستندال الذي جاءت كتاباته خلوًا من الشاعريّة فأعرض عنها الناس لعدم إرضائها لديهم هذه الحاجة الفنيّة وإذا قلنا الرواية والمسرحية فإننا نعني كل مقوماتهما وتقنّياتهما الفنيّة. من حيث المداخل والمقدمات والأبواب والفصول والمشاهد وبراعة القصّ والحوار وجمال السردّ والحيوية والحركة والحبكة والتعقيد والمفاجأة والمماطلة بالحلّ والمعالجة غير المباشرة، والإبتعاد عن الثرثرة والحشو وما إلى ذلك مما يطلب توافره في القصّة والمسرح. أمّا الشعر فلا يسمّى شعرًا إلاّ بمقوَّماته المعهودة في عالم الأدب والنقد.