فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 209

ولكن سارتر يعرضها بطريقته الخاصة ومن خلال فلسفته الوجودية التي تخالف رؤية أسخيلوس وسوفوكليس. فقد صاغها صياغة عصرية أسْهم فيها الديكور والرقص الرمزي الإيمائي، وأكّد من خلالها حرية الإنسان وإرادته وحقه في اتخاذ قراره واختيار مصيره وتحمله مسؤوليته الكاملة بعد ذلك.

فقد كان أورست عند سارتر فتىً مسالمًا لايفكّر بالانتقام ويعزف عن الخصومات والتدخل في شؤون الموتى ؛ ولكن رقصة إليكترا الرمزية حركتْ فيه دواعي الانتقام والثأر فاستقر رأيه على قتل أمه وزوجها وتحرير المدينة من ذلك الطاغية المستبد؛ ثم نفذ وأخته مؤامرتهما من دون أي ندم أو شعور بالإثم.

تقول إيليكترا لدى مصرع إيجيست:

...."أنا التي أردتُ ذلك، ولا أزال أريده، ويجب أن أستمر في إرادته".

وتقول عند مصرع أمّها وهي تسمع استغاثتها:

"فلتصحْ ماتشاء؛ أريد أن تصيح فزعًا وألمًا؛ ياللفرحة عيناي تبكيان من فرط السرور. لقد ماتت عدوّتي وانتقمت لأبي...".

أما أورست الذي شعر بسعادة الحرية لأول مرة فيقول:"إنني حرٌّ يا إيليكترا؛ لقد انقضت عليّ الحرية انقضاض الصاعقة.. لقد فعلتُ فعلي.. وهو أمرٌ حسن، سأحمله على كاهلي كما يحمل المسافرون الماء؛ وكلما ثقل عليَّ حِملُهُ قرَّتْ به عيناي، لأنه هو حريتي، وحريتي ليست شيئًا سواه..."

وفي حين ترضخ إيليكترا لسلطان الندم، لايندم أورست ولا يتراجع، وينتصب عملاقًا أمام الإله جوبيتر في المشهد الآتي:

-أورست ...: أنتَ ملكُ الآلهة، وملك الصخور والكواكب وملك الأمواج في كلّ البحار؛ لكنك لستَ مَلِك الإنسان.

-جوبيتر ...: ألستُ مليكك أيتها الدودة الغبيّة؟ فمن الذي خلقكَ إذن؟

-أورست ...: أنت؛ ولكن كان يجب ألاّ تخلقني حرًا.

-جوبيتر ...: إنما وهبتك حريتك لتخدمني...!

-أورست ...: ولكنها انقلبت ضدك، ولاحيلة لي في ذلك- أنا لست العبد ولا السيّد؛ أنا حريتي...!

من مسرحية"الذباب"لسارتر

ترجمة د. محمد قصاص-روائع المسرحيات العالمية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت