فهرس الكتاب
إنه عالم مابعد الحرب، الذي تقدم فيه العلم والاختراع والتكنولوجيا، ودخل عصر الأتمتة والسبرناتيك والالكترون والذرة والليزر والفضاء.. ولكنه لم يفلح في حلّ مشكلات البشر؟ وبدت فيه السياسات العالمية والمحلية والإقليمية عاجزة أو متآمرة. إنه عالم التناقض والصراع والتطرف والنزاع والتمرد والقمع والانسحاق؛ عالم الظلم والبيروقراطية والسلطات العسكرية والدكتاتورية والرأسمالية وهيمنة القوى العظمى وانسحاق الجماهير الكبرى، عالم الحرية غير المتكافئة، عالم تزعزعت فيه القيم والمعتقدات والأخلاق واهتزت البنى القديمة أو تصدعت وانهارت، عالم السرعة والتنافس والجنس والعنف والمخدرات والعصابات. إنه عالم ما بعد الحرب الذي ساده القلق والاضطراب والعقم وخابت فيه الآمال وغامت الطرق والأهداف واختلت القيم؛ وتطلع الناس فيه من خلال سُدُف البؤس والدروب المظلمة إلى منافذ النور والنجاة.. وأين توجد إلاّ عند الأدباء والمفكرين؟؟ والأدباء كسائر البشر يعانون مايعانونه من العذاب الروحي والاغتراب. لقد كان طبيعيًا أن يرفضوا هذا العصر ويتخذوا منه موقفًا احتجاجيًّا بشكل أو بآخر. وقد اختلفت منطلقاتهم ورؤاهم ومواقفهم من جرّاء التمزّق والتشعّب والبحث الفردي الحرّ في الأطروحات والأساليب؛ ولكن هذا الاختلاف والتنوع جرى بشكل عامٍ ضمن إطار السخط والسأم والقلق والرفض وفي بعض الأحيان ضمن شعور من العبثية وعدم الجدوى؛ موقفٌ سلبيّ مردّه إلى أن الأديب أصبح يشعر بأنه مجرد رقم في هذا الكيان المصطخب، لايضمه إلى محيطه صلة تفاهم وشراكة ذات معنى. وتجلى ذلك في نتاجهم الذي هو صدى لما يجري في المجتمع والعالم. وربما تجاوزوا الفكر إلى السلوك الذاتيّ الذي أضحى عُصَابيًا سريع التأثر. فبدت لديهم مظاهر اليأس ولجأ بعضهم إلى المخدرات والجنس والانحلال والانتحار... لأن الحياة لم تعد تعني لديهم شيئًا ولا مبرّر لها.