فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 209

وتردّدت لديهم نغمات الحزن والنشيج والسوداوية والانسلاخ والانسحاق وصرخات الاحتجاج والنقد الصارم وكأنّه جَلْدٌ للذات والآخرين.. كل ذلك من جراء هذه الحضارة الرأسمالية الصماء ذات القلب الحديدي التي تسحق الفرد وتفقده أخلاقياته وتجرَّده من مسوّغات وجوده.

على أنّ بعضهم خرج من هذه الدّوامة المدوّخة إلى التماس خشبةٍ لنجاة الذات والمجتمع، وبعضهم الآخر نجح في إثارة المشكلات ثم تَرَكها معلقةً دون علاج...

ولأجل الحصول على تصوّر أشمل وأوضح لحالة الأدب واتجاهاته نستعرض فيما يأتي أحوال كلّ من الشعر والرواية والمسرح. في النصف من القرن العشرين وماطرأ عليها من التغيّر وما برز فيها من الاتجاهات في المضامين وأساليب التعبير.

أولًا- الشّعر:

يبقى الشاعر من أشد الناس حساسيةً وتأثرًا بما يجري حوله وفي داخله؛ فهو البصيرة على نفسه والعالم، المتأثر والمعبّر والمؤثّر، وهو الذي ينفذ من خلال التعدُّد والاختلاف إلى الجوهر فيلامس حقيقة الإنسان في تجرّده عن الزمان والمكان. إنه عاشق الإنسان والطبيعة وماوراءهما، المدرك لمسؤوليته الرّسولية في الوجود، وُجدانُ البشرية العميق والأمين، القادر على التغلغل إلى الخفايا، ونقلها بصدقٍ وإخلاص...

من هذه الطبيعة الشاعرية تجلّت فيما بعد الحرب الثانية غنائية رومانسية قوامها الحزن والألم والاحتجاج والسوداوية كموقفٍ تجاه الماضي المأساوي؛ ثم مالبث الشعر أن تكيف مع المتغيرات المستجدة والمتسارعة في تيارات الرياح الكونية المعاصرة والهموم اليومية والطبيعية المعقدة للحياة المطصخبة الجديدة التي تمتد فيها الصراعات في عالم الفكر والعقيدة والاقتصاد والسياسة والمجتمع؛ وكان الشاعر هو الباحث الأول عن الحقيقة الجوهرية المحتجبة بين غيوم العصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت