فهرس الكتاب
كان هذا وجهَ الشعر من حيث مادّتهُ وأطروحاته؛ أما من حيث شكله فقد جسّد في أشكاله الغزيرة المتنوعة تلك النزعة التحرّرية وتجاوز الأقنية والسّدود دون أن يفارقها تمامًا. إن روح التمرد والثورة على ما تبقى من آثار الماضي وقيوده، والشعور بفرح الحرية الفردية كان الباعث إلى ولادة تجارب جديدة في الشعر تناسب طبيعة المرحلة، فلم يتبع الشعراء منهجًا واحدًا أو مذهبًا بعينه، ومع التجارب الحديثة لم تُطلَّق المعطيات الماضية. وكان الشعر الأمريكي الأسبق إلى خلع الأثواب الطقوسية وارتداء الملابس البسيطة والتجوال في آفاق جديدة رحبة؛ فقد حاكى النثرَ بشعرٍ مُرْسَل لايضحّي بالموسيقا، التي مزجها بالرموز والأساطير (والت ويتمان) . وجاء في إثر هذه التجربة شعراء أمريكا اللاتينية وأوروبا فوسعوها (نيرودا) مع الاحتفاظ بتقنيات ورثوها من القرن التاسع عشر، وهكذا تجاورت أصداء الرمزية (من صوب رامبو وأبو لينير) والمستقبلية بنت القرن العشرين (مايا كوفسكي) وتوظيف الأسطورة والتاريخ والدين (ت.س إليوت) ومعطيات اللامعقول. والرومانسية السوداوية والبرناسيّة التقليدية والكلاسيكية الجديدة... فكانت أشكال شعرية جديدة شديدة التنوع.... وكان البحث الدائم عن الجديد، فوجدنا الميل إلى التكثيف والاقتصاد بالكلمات والإقلال من الأفعال والروابط، بل ونبذها أحيانًا اكتفاءً بالصور التي تنبعث من الكلمات وتتوالى في شريط متلاحق مثيرة معاني عميقة وأصداء غامضة، وتخلق جوًّا معبرًا ومخيمًا على الروح، ووجدنا جرأةً لغوية بإبداع كلماتٍ جديدة وتركيبات غير مألوفة...
وهكذا تآلفت في الشعر الجديد التجديدات الجريئة والوثبات الحرة مع معطيات المدارس القديمة في وسطٍ من التجريب والبحث لاكتشاف ذرا لم تستشرف من قبل... إنها الحداثة المتسارعة على إيقاعات نبض العصر في حركته وتغيراته.
ثانيًا- الرواية: