فهرس الكتاب
مهما كان إطار الرواية فهي تنطلق من واقعٍ خارجيٍ أو نفسيّ يريد الكاتب معالجته لهدفٍ يريد بلوغه. وقد رأينا أن واقع مابعد الحرب كان مأساويًا مملوءًا بالمشكلات؛ وأن نعماءه أصابت فئة ضئيلة من ذوي المال والسلطة وبأساءه عمّت الجميع الذين وجدوا أنفسهم أمام السّراب. وقد عكف الروائيون على تصوير هذا الواقع وتحليله في قالب منسوج من الحقيقة والتخييل؛ إنه واقعهم بقدر ماهو واقع القراء، لكنه مرئيٌّ من زاوية الكاتب وتأمله. وليست الرواية للإمتاع بقدر ماهي مُرْصدة للتغيير. إنها -كما يقول الروائي روب غرييه-"عملٌ يضع العالمَ موضع البحث والتساؤل" [1] .
على أن الروائي لايستطيع تغيير شيءٍ في المجتمع إلاّ بعد أَنْ يتغيّر هو؛ فبينه وبين المجتمع علاقة جدليةً. يقول الروائي الفرنسيّ ألبير ميمي:"نحن حملة ردّ الفعل، ونحن المترجمون لكلّ اهتمامات معاصرينا" [2] .
أما شكل الرواية الحديثة فقد شهد تفجّرًا لاحصر لأنواعه؛ فمن العودة إلى أشكال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إلى التجريب في ظل الحريّة المطلقة. وبين هذين القطبين سقطت بعض الأنماط كالنمط السّارتريّ، الذي يقوم على الوعظ والإرشاد كما يقول بعض نقاده؛ وظهرت نظريات وأشكال جديدة نذكر منها الحركة التي تألفت حول روب غرييه باسم (الرواية الجديدة) . وقد بلغ التسارع في التغيير أن شمل الكاتب نفسه الذي صار يطوّر أشكاله بين الحين والآخر بل بين الرواية والتي تليها. إن روايات روب غرييه السابقة أصبحت جزءًا من التراث... ولم تعد تمثل أسئلة مطروحة، وروب نفسه أخذ يرود آفاقًا جديدة ويتحدث عن أشياء أخرى... [3] وهذا التسارع ناشئٌ عن سرعة تغير العالم الذي سرعان ما تلف دوّامته الكتّاب وتؤدي إلى تغيّر في الشكل والمضمون.
(1) الإبداع الروائي اليوم. دار الحوار 1988، ص74و 118.
(2) المصدر نفسه: 61.
(3) المصدر السابق: 80.