فهرس الكتاب
"... عاد إلى الكهوف صمتها، وإلى الغابات أحلامها؛ وصارت الصحراء أشدّ حزنًا وأكثر غموضًا وعظمة؛ وتشامخت قباب الغابات، وحطّمتِ الأنهار أحواضها الصغيرة ليخلو المجرى للمياه المتدفقة من أجواف القمم، حينما عاد الإله الحقيقي إلى عمله منح الطبيعة سعتها..."
ولكنْ، ماذا يخلفُ هذا التصور الجديد في أعماق النفس؟ وبم يشعر القلب؟ وأية ثمرةٍ يجنيها الفكر؟. لقد غدا الشاعر المسيحيّ أفضل حالًا في العزلة، حين وجد الإله يتجوّل معه بمنأى عن ذلك القطيع الأسطوري المضحك... امتلأت الغابات بالألوهيّة الواسعة، حتى لكأنما تسكن في أعماقها المقدسة النبوّة والحكمة وأسرار الديانة!
... توغل في هذه الغابات الأمريكية الأقدم من العالم! ما أعمق الصمت في تلك المعتزلات حينما تسكن الريح! وما أغرب الأصوات التي تضج فيها حينما تعصف!...
ها قد أقبل الليل وتكاثفت الظلمات. استمع إلى أصوات القطعان من الحيوانات المتوحشة وهي تجوب الظلام؛ الأرض تهمس تحت قدميك، وبعض قصفاتٍ من الرعد تفجّر الصحارى وتهزّ الغابة فتخر الأشجار، ويجرى أمامك نهرٌ مجهول... ثم ينهض القمر من الشرق، فإذا مررت بأسافل الأشجار ونظرت إليه ضاع من نظرك بين قممها...
المسافر يجلس على جذع شجرة بلوط منتظرًا طلوع النهار، مقلّبًا طرفه من حين إلى آخر بين كوكب الليل والظلمات والنهر، فيشعر بالقلق والاضطراب.. وبانتظار حدثٍ مجهول يخفق قلبه بلذةٍ صامته وتوجّسٍ غريب، وكأنما هو على أعتاب الأسرار الإلهية.""
ألْفرد دوموسيّه A. De Musset - (1810-1857)
وُلد وتوفي في باريس. وهو سليل أسرة اشتهرت بالآداب. ارتاد في شبابه (ندوة الأرسينال) حيث استقبل كوليدٍ مخيف للرومانسية. وهناك أعطى (بواكير أشعاره 1829-1835) .