فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 209

"يروي الشاعر أنه انطلق ليلًا مع نفرٍ من الصيادين لاقتناص الذئب.. وفي ضوء القمر شاهد جراء الذئب ترقص، ثم ظهرت الذئبة، ثم الذئب الذي وجد نفسه محاصرًا فجأة، ولما شعر بالهلاك انقض على أحد الكلاب فصرعه وهو يتلقى الطعنات صامدًا صامتًا حتى مات... إنه مثلٌ رمزيّ يعلّم البشر الصمود الرواقيّ!"

"... أَقْبَلَ الذئب وأقعى ناصبًا ذراعيه،"

وغارسًا مخالبه المعقوفة في الرمل،

ولما فوجئ بالحصار أدرك أنه هالكٌ لا محالة؛

فقد سُدّت عليه كل السُّبل ولا منفذ للانسحاب.

عندئذ أطبق بفمه المتلظي على عنق أحد الكلاب،

ولم يفلته من فكه الحديدي،

على الرغم من طلقاتنا النارية التي كانت تثقّب جسده

وطعناتِ مُدانا الحادة تتصالبُ وتنغرس في أحشائه كملاقط الحدّاد.

وظل هكذا حتى اللحظة الأخيرة حين أيقن أن الكلب المختنق

سبقه إلى الموت وخرّ صريعًا تحت قوائمه.

عندئذ خلاّه، وحملق فينا.

ومُدانا ما تزال مغروسةً في جانبيه حتى المقبض،

تسمّره على العشب غارقًا في دمائه.

وبنادقنا تُحدقُ به في هيئة هلالٍ مشؤوم.

وما زال ينظر إلينا حتى ارتمى

وهو يلعق الدماء عن شدقيه.

ودون أن يدري كيف هلك،

أغلق عينيه الواسعتين، ومات دون أن يصرخ.

قلت في نفسي: يا للأسف!، فعلى الرغم من هذا الاسم الكبير (الإنسان)

أجدني خجلًا منا، نحن الضعفاء!

كيف يجب أن نغادر الحياة وآلامها؟

أنتِ أيتها الحيوانات المتسامية تعرفين ذلك.

وإزاء رؤيتنا ما يحدثُ على الأرض وما يُترك،

الصمتُ وحده هو العظيم، وما عداه ضعف.

آه..! لقد فهمتُكَ جيدًا أيها المتوحش الجوّاب،

وإنّ نظرتك الأخيرة نفذت إلى قلبي لتقول:

إذا كنت تستطيع فاجعل نفسك تصل بكثرة الجدّ والتفكير،

إلى هذه الدرجة العالية من الكبرياء الرواقية.

لقد ارتقيتُ إليها قبلك، أنا الذي وُلدَ في الغابات.

الأنين والبكاء والدعاء ضعفٌ كذلك.

فلتبذل أقصى قدرتك ولتنهض بعبئك الثقيل الطويل

في الطريق الذي دعاك إليه القدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت