فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 209

3-الأمل بالله والهدوء وهيمنة الطبيعة على هذه الكآبة.

إنّ غنائية الشاعر لامارتين تأتي من تواصلٍ عفوي وبسيط يبدأ بشكوى أو أسف ثم تنتهي بالتفكير والتأمل. وهذا ما كان يلائم نفسيّة المجتمع في عام 1820، تلك النفسية التي أقلقتها الكوارث فتشبعت بالحزن والتديّن متأثرة بشاتوبريان، ثم انتظرت شاعرًا يعبّر عنها، فشاتوبريان لم يعد يكفيها، لأن النفوس الحساسة المتألمة تحتاج إلى هدهدة اللحن المتناغم والنشوة الموسيقية الغامضة، الأمر الذي لم يكن باستطاعة أي شاعرٍ غير لامارتين أن يستجيب له. ثم هنالك حاجة عامة أخرى هي تجديد الأسلوب التعبيري. وقد حققها لامارتين أيضًا .

كتبت والدته في عام 1828:

"أرسل إليّ ألفونس أشعارًا نظمها حديثًا، وأثّرت في نفسي تأثيرًا بالغًا، قال فيها ما كنت أفكر فيه بالضبط. إنّه صوتي، لأني أشعر بأشياء جميلة وأعجز عن التعبير عنها. إني حين أتأمل الإله أشعر بشعلةٍ شديدة في قلبي، يبقى لهيبها حبيسًا لا يستطيع الخروج ولكن الإله يصغي إليّ ويفهمني دون حاجة إلى كلامي. وإني لأشكره لأنه نقل أحاسيسي إلى ابني..!"

ولنستمع إلى ما قاله فيه السيّد كوفييه غداة استقباله في الأكاديمية:".. عندما تستولي على أقوى الأرواح لحظاتٌ من الحزن والقنوط، أو يَسْمعُ متنزّهٌ منفرد مصادفةً من بعيد صدى أغانٍ حلوة متناغمة تعبّر عن مشاعر تماثل مشاعره، يحسّ بتعاطف كريم، وارتعاشٍ جديد يدب في أعصابه التي أرهقها الصراع. وحين يمتزج هذا الصوت الذي يصوّر آلامه بشيءٍ من الأمل والعزاء تعود الحياة إليه، فيرتبط بذلك الصديق المجهول الذي أعادها إليه ويودُّ لو يعانقه ويبوح إليه بما يكنّه من عرفان للجميل. وهكذا يا سيّدي تأثير تأملاتك الأولى في عددٍ كبير من مرهفي الإحساس الذين يؤرقهم لغز العالم!"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت