فهرس الكتاب
ويقول لامارتين نفسه، في مقدمة تأمّلاته الجديدة التي كتبها عام 1849:"أنا أول من أنزل الشعر من البرناس وأبدل بعرائس الشعر، وبالقيثارة ذات الأوتار السبعة أعصابَ القلب البشري نفسَها وهي تهتز متأثرة بارتعاشات الروح والطبيعة التي لا تحصى.."
ولكن شعر لامارتين الغنائي لم يكن كامل الإحكام، لأنه لم يكن شاعرًا محترفًا، وقد دافع هو عن هذه الناحية دفاعًا ضعيفًا وفي الحقيقة إنه لا يُغنيّ إلا لينفث في بعض الساعات ما يعتلج في صدره من التأثر والحماسة ومن هنا كان يقع في عثراتٍ تعبيرية ناشئة عن قلة خبرته المهنية بالشعر تضير أشعاره في عيون النحاة من طرف والبرناسيين من طرفٍ آخر. ولكن ما لديه من صدق النبرة وقوة الإيحاء تجعلنا ننسى الشاعر لينفسح المجال كلّه للشعر. إن قراءة قصائده: الوادي والبحيرة والخلود والسنديانة والفلاحون وغيرها تقفنا على الحقيقة وكأننا خرجنا من حلم أو من دُوار يحدثه التحليق نحو المثالي.
الوِحْدة L,Isolement [1]
"على الجبل، وفي ظل سنديانةٍ عجوز، وقتَ المغيب،"
كثيرًا ما أجلس كئيبًا،
ألقي نظراتي بين الحين والآخر،
على السهل الذي تنبسط لوحته المتغيّرة أدْنَى من قدميّ
هنا يصطخب النهر بأمواجه المّزبدة،
يتلوّى ويغيب في ظلام بعيد،
وهناك تمدُّ البحيرة الساكنة مياهها النائمة،
حيث تبزغ نجمة السماء في زرقة السماء
على هذه القمم المتوَّجة بالغابات السوداء،
يرشق الشفق شعاعه الأخير،
وعلى جناح الأبخرة تنهض مركبة القمر، مليكِ الظّلام،
فتبْيضُّ منها حواشي الأفق
في ذلك الحين، ومن أعلى برج كنيسةٍ غوطيّة،
ينداح في الهواء صوت نداءٍ دينيّ،
فيتوقف المسافر، ويمزُج الجرس الريفيّ
ألحانه المقدّسة بأواخر ضجيج النهار
لكنّ روحي لا تبالي بهذه اللوْحات الجميلة،
(1) ترجمة المؤلّف عن: الأدب المشروح لدي غرانج وشارييه ص310 Des Granges et charrier -litteratiere expliquee p. 310