فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 333

(أدباء المسلمين في العراق) تذكر العراق في أواسط القرن التاسع عشر مفاخرة السابقة فأراد أن يحييها فنزل في حلبة الآداب وركض فيها جياد الألباب فنال قصبة السبق والغلاب. وهانحن نذكر الذين وقفنا على شيء من أخبارهم نقلًا عن مخطوطات مكتبتنا الشرقية وبعض المطبوعات النادرة مباشرة بالآلوسين والسويديين.

(الآلوسيون) هم قرم من أدباء بغداد أحبوا العلوم والآداب فأوقفوا نفوسهم لخدمتها ونشروا معالمها في وطنهم. وأصلهم من آلوس أجدى قرى الفرات ثم انتقلوا إلى بغداد وامتازوا فيها بحسن الخصال. ولما كانت أواسط القرن التاسع عشر برز بينهم أولاد السيد صلاح الدين ابن السيد عبد الله الآلوسي. وكانوا ثلاثة رضعوا كلهم أفاويق الأدب وذهبوا في فنونه كل مذهب.

وأولهم أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي المعروف بالشهاب الآلوسي. ولد في بغداد في 14 شعبان سنة 1217 (1802م) وهناك توفي في 5 ذي القعدة سنة 1270 (1854م) كلف بالعلوم منذ حداثة سنه وبذل النفس والنفيس في إحراز جواهرها حتى أن رغبته في طلب المعارف شغلته عن حطام الدنيا وأنسته هناء العيش وملاذ الحياة وبزر بالعلوم الدينية فصار إمامًا في التفسير والإفتاء وكان مع ذلك كاتبًا بليغًا وخطيبًا مصقعًا وفي 1262 (1845م) سافر برفقة عبدي باشا المشير إلى الوصل ثم إلى ماردين فديار بكر فأرزووم فسيواس فالأستانة العلية واجتمع حيث دخل بإعلام العلماء وأئمة الأدباء وكانوا يتهاتفون إليه ليقتبسوا من أنواره ويغرقوا من بحاره. ثم عاد إلى وطنه معززًا ممدحًا بكل لسان مشمولًا بألطاف الحضرة العلية السلطانية. وكان جلالة السلطان عبد المجيد منحه الوسام المرصع العالي الشأن. فلما عاد إلى وطنه سنة 1269 انقطع إلى التأليف. وفصل أخبار رحلته في عدة مصنفات منها كتابة رحلة الشمول في الذهاب إلى اسلامبول طبع في

بغداد سنة 1291 واتبعه بكتاب نشوة المدام في العود إلى بلاد السلام ثم كتاب غرائب الاغتراب في الذهاب والإقامة والإياب ويدعى أيضًا بنزهة الألباب ضمه تراجم الرجال والأبحاث العلمية التي جرت بينه وبين حضرة السيد أحمد عارف حكمت بك شيخ الإسلام. وكان السيد محمود سريع الخاطر ونسيج وحده في قوة التحرير وسهولة الكتابة ومسارعة القلم قيل أنه كان لا يقصر تأليفه في اليوم والليلة عن أقل من ورقتين كبيرتين. وقد ألف كتبًا عديدة في التفسير والفقه والمنطق والأدب واللغة كشرح السلم في المنطق. وكتاب كشف الطرة عن الغرة وهو شرح على درة الغواص للحريري. ومن تآليفه رسالة في الانسان. وله حاشية على شرح قطر الندى لابن هشام ألقها وعمره لا يتجاوز ثلاث عشرة سنة. وكتاب المقامات طبعه في كربلاء وكتاب التبيان في مسائل إيران وكتب أخرى غيرها. وكان له شعر قليل إلا أنه غاية في الرقة يذكر العراق في غربته:

أهيمُ بآثار العراقِ وذكره ... وتغدو عيوني عن مسرَّتها عَبْرىَ

وألثم إخفاقًا وطنَ ترابهُ ... وأكحلُ أجفانًا بتربته العَطْرَى

وأسهر أرعى في الدياجي كواكبًا ... تمرُّ إذا سارت على ساكني الزورا

وانشقُ ريح الشرق عند هبوبها ... أداوي بها يا ميُّ مُهجتَي الحَرّا

وقال في وصف بغداد وفراقه لها:

أرضٌ إذا مرَّت بها ريحُ الصبا ... حملت من الأرجاء مسكًا أذفرا

لا تسمعنَّ حديث أرضِ بعدها ... يُروى فكل الصيد في جوف الفرا

فارقتها لا عن رضى هجرتها ... لا عن قلى ورحلتُ لا متخيَّرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت