فهرس الكتاب
لكنها ضاقت عليَّ برحبها ... لما رأيتُ بها الزمان تنكَّرا
ومن حسن قوله وصفه لشاعر سهل الألفاظ بعيد المعاني:
تتحَّيرُ الشعراء إن سمعوا به ... في حسن صنعته وفي تأليفه
فكأنهُ في قربه من فهمهم ... وتقولهم في العجز عن ترصيفهِ
شجرٌ بدا للعين حسنُ نباتهِ ... ونأى عن الأيدي حتى مقطوفهِ
وقال مستغفرًا وقد افتتح به كتاب مقاماته:
أنا مذنبٌ أنا مجرمُ أنا خاطئ ... هو غافرٌ هو راحمُ هو عافي
قابلتهنّ ثلاثةُ بثلاثةٍ ... وستغلبَن أوصافُهُ أوصافي
وكانت وفاة الشهاب الآلوسي في السنة التي ذكرناها فرثاه قوم من الفضلاء كما مدحوه في حياته وقد جمعت تلك المدائح في كتاب حديقة الورود في مدائح أبي الثناء شهاب الدين محمود. وكان أولاده أغصانًا نضرة في تلك الدوحة الباسقة سنذكرهم في وقتهم. واشتهر في زمانه أخواه عبد الرحمان وعبد الحميد فعرف عبد الرحمان بفصاحة لسانه وخلابة أقواله في الخطابة والوعظ وكان يدرس العلوم الدينية في أكبر جوامع الكرخ إلى وفاته سنة 1284 (1867م) وعمره نحو ثلث وستين سنة.
أما عبد الحميد الآلوسي فكان مكفوف البصر ولم تصده تلك العاهة عن طلب العلوم فأخذها عن أخيه السيد محمود الذي أجازه في المعقول منها والمنقول والفروع والأصول فجعل يدرس في مدرسة بغداد المعروفة بالنجيبية ويتقاطر لاستماعه الناس حتى علية القوم وفي مقدمتهم علي رضا باشا والي بغداد وله بعض مصنفات نثرية بليغة وقصائد غراء منها قصيدة في مدح أحد مشايخه العظام أولها:
تنوحُ حماماتُ اللوح وأنوحُ ... وأكتمُ سرّي في الهوى وتبوحُ
وتُعجم إن رامت أداءَ مرامها ... ولي منطق فيما أروم فصيحُ
لها مقلةٌ عند التنائي قريرةٌ ... ولي مدمعٌ يوم الفراق سفوحُ
إلى أن قال مادحًا:
فتى كلُّه عفوٌ ولطفٌ وعفَّةٌ ... وعنْ زلَّة الشاني الحسود صفوحُ
حليمٌ وهل كالحلم في المرء زينةٌ ... سموحٌ وذو الشان الجليل سموحُ
وفارس فضلٍ لا يجازيه عارفٌ ... وأنى يجاري العاديات جموحُ
يفوح بأفواه العدى نشرُ فضلهِ ... كما فاح نشرًا في المجامر شيحُ
لقد عطَّر الأرجاءَ منك الفضائلٌ ... فوصفك مسكُ في الأنام يفوحُ
ومن نثره قوله يصف الأولياء:
لقد فاز قوم عاملوا الله بالإخلاص والصدق، وعاملوا الناس بحفض الجناح وحفظ الوداد مع اللين الرفق، تحملوا من أجله ألم الأذى والمشاق، فأزالوا بأنوار شهود جماله عن بصائرهم حجب العوائق الإنسانية، وتحملوا إذا أذاقهم الورى مر المراء والشقاق، فأماط بعذوبة أنسه ووصاله عن رقابهم ربق العلائق النفسانية، أعرضوا عن الدنيا وأغرضوا في طلب الأخرى حيث علموا بأن الأولى والأحرى السعي في تقديم الباقية على الفانية. فانحلوا الأجسام بالصيام والقيام، لما أن حلا لهم شرب صافي المدام ... فرضوا على نفوسهم القناعة والصبر، ورضوا عن هذه الدنيا