فهرس الكتاب
، وكان الحكم المستنصر قد سمع الحديث وجمع من الكتب ما لم يكن قد جمعها ملكا قبله أو بعده حتي قيل أنها بلغت في خزائنه أربع مائة ألف ، وسيبين في التاريخ كيف كان تفريقها بعد المستنصر (1) . ثم هشام بن الحكم المستنصر (2)
(1) كان شغف الحكم المستنصر بالكتب والمكتبات ومقدار اهتمامه بالعلم والعلماء كبيرا، فجعل الحكم كل هدفه السير بالأندلس قدما في طريق العلم والمعرفة فوجه الحكم جل اهتمامه إلى بناء وتنمية مكتبته الخاصة فنشر رجاله في كل مراكز الثقافة الإسلامية يبحثون عن النادر من الكتب والمخطوطات ويدفعون أغلى الأثمان بغية الحصول عليها، بل وكانوا يصادقون تجار الكتب في كل مكان ليدلوهم على ما صدر منها وما هو بسبيله إلى الصدور وكان يحدث كثيرا أن يشتروا الكتب من مؤلفيها أو ناشريها لتصدر في الأندلس قبل أن ترى النور في بغداد أو الموصل أو البصرة أو مصر حيث كان الحكم يجد متعة في أن يكون أول قارئ لما يصدر من الأبحاث الجديدة. وللأسف كان مصير هذه المكتبة نفس مصير المكتبات المشرقية من الحرق والسلب والنهب والتخريب، ذلك أنه بعد وفاة الحكم ولي الأندلس المنصور ابن أبي عامر وقد أراد أن يرضي العامة والفقهاء في زمانه فأخرج من المكتبة جميع الكتب الفلسفية وأضرم فيها النار في الميدان العام في قرطبة . ولم يقف أمر هذه المكتبة عند هذا الحد فقد ضعفت الأندلس بعد وفاة المنصور وبدأت في التفسخ وقد تعرضت قرطبة لحصار البربر واحتاج الحاجب واضح مولى المنصور ابن أبي عامر إلى المال فأخرج أكثر الكتب من المكتبة وباعها ، وما تبقى منها نهب وحرق عندما اجتاح البربر قرطبة..
(2) هشام المؤيد: حكم في الفترة 366 - 399 هجرية بعد وفاة المستنصر تولى ولده هشام الحكم وهو مازال صبيًا فانقسم رجال الدولة إلى قسمين الأول بقيادة الحاجب جعفر المصحفي و محمد بن أبى عامر وهؤلاء يؤيدون ولاية هشام، أما القسم الآخر بقياة المغيرة عم هشام فكان يرفض ولايته ويقول مؤرخون إن الخليفة الحكم بن المستنصر كان مع فضله قد استهواه حب الولد حتى خالف الحزم في توريثه الملك بعده في سن الصبا فلما مات الحكم أخفى جؤذر وفائق فتياه ذلك وعزما على صرف البيعة إلى أخيه المغيرة. وقال فائق إن الأمر لا يتم إلا بقتل المصحفي فرفض جؤذر، وقال ونستفتح أمرنا بسفك دم شيخ مولانا، فقال له هو والله ما أقول لك ثم بعثا إلى المصحفي ونعيا إليه الحكم وعرفاه رأيهما في المغيرة فقال لهما المصحفي وهل أنا إلا تبع لكما وأنتما صاحبا القصر ومدبرا الأمر فشرعا في تدبير ما عزما عليه وخرج المصحفي وجمع أجناده وقواده ونعى إليهم الحكم وعرفهم مقصود جؤذر وفائق في المغيرة وقال لهم إن نصرنا ابن مولانا كانت الدولة لنا وإن بدلنا استبدلنا فقالوا الرأي رأيك فبادر المصحفي بإرسال محمد بن أبي عامر مع طائفة من الجند إلى دار المغيرة لقتله فوافاه ولا خبر عنده فنعى إليه الحكم أخاه فجزع واسترجع، وابلغه ابي ابي عامر كذلك بتنصيب ابنه هشام في الخلافة، فقال المغيرة أنا سامع مطيع فكتب ابن أبي عامر إلى المصحفي بحاله وما هو عليه من الاستجابة، مقترحا الإبقاء على الرجل لكن المصحفي أصر على التخلص منه وأمر ابن أبي عامر بذلك وإلا وجه غيره ليقتله فقتل ابن أبي عامر المغيرة خنقا فلما قتل استوثق الأمر لهشام بن الحكم وسُمى بالمؤيد بالله. ولأن هشام كان مازال صبيًا فقد قرر من حوله وعلى رأسهم أمه صبح إقامة مجلس للوصاية بقيادة وزير الدولة جعفر المصحفى وصاحب مدينة فارس شيخ الموالي وفارس الأندلس آنذاك غالب الناصري ومحمد بن ابى عامر. لما تولى هشام الحكم طمع نصارى الشمال في ضعفه وخرجوا على أهل الثغور فوصلوا إلى باب قرطبة، ولم يجد الناس عند المصحفي حلا لما ألم بالناس، وكان جل ما فعله أن أمر أهل قلعة رباح بقطع سد نهرهم لما تخيله من أن في ذلك النجاة من العدو ولم تقع حيلته، التي رأى فيها العامة عجزا مع وفور الجيوش وجموع الأموال، أما ابن أبي عامر فأنف من هذه الدنية وأشار على جعفر بأن الجيوش إنما وجدت للجهاد وخوفه سوء العاقبة في تركه وأجمع الوزراء على راي ابن ابي عامر إلا من شذ منهم. اختار ابن أبي عامر الرجال وتجهز للغزو واستصحب مائة ألف دينار وسار بالجيش حتى هزم النصارى في حصن الحافة ودخل الربض وغنم الغنائم بعد أن ردهم بعد اثنين وخمسين يوما فعظم السرور به وخلصت قلوب الأجناد له واستهلكوا في طاعته لما رأوه من كرمه. وفى نهاية العام انطلق ابن أبي عامر بجيشه للإنضمام مع جيش غالب الناصري في الشمال وسار نحو مجريط ففتحوا الحصون وحققوا إنتصارات عدة على النصارى فعلا نجم العامرى أكثر كما أنه إستطاع أن يستصدر أمرًا من الخليفة بتعينه رئيسًا للجيش والشرطة معًا ماعدا جيش الشمال ثم تزوج إبنة غالب قائد جيش الشمال وأصبح تحالفهما قوى ضد وزير الدولة المصحفى. بعدإخضاعه لحصون شلمنقة وإرهاق النصارى في الشمال عاد لقرطبة واستصدر أمرًا من الخليفة بتعينه حاكم عام على قرطبة وجعل غالب وزيرًا مشاركًا للمصحفى ثم عزل المصحفى وسجن بدعوي الفساد في المال العام وانفرد ابن أبي عامر غالب بمجلس الوصاية ثم عين العامري وزيرًا للدولة وتنازل عن قيادة الجيش وعين عليه جعفر بن حمدون الأندلسى..