الصفحة 27 من 46

، وفي أيامه تسلط للحجابة (1) المنصور بن أبي عامر (2)

(1) الحجابة: هذا اللقب كان خاصًا للدولة الأمويه والعباسية بمن يحجب السلطان عن العامة ويغلق بابه دونهم أو يفتحه لهم على قدره في مواقيته . وكانت هذه منزلة يومئذ عن الخطط مرؤوسة لها إذ الوزير متصرف فيها بما يراه . وهكذا كانت سائر أيام بني العباس . أما في الدولة الأموية بالأندلس فكانت الحجابة لمن يحجب السلطان في الخاصة والعامة ويكون واسطة بينه وبين الوزراء فمن دونهم . فكانت في دولتهم رفيعة غاية كما تراه في أخبارهم . ثم لما جاء الاستبداد على الدولة اختص المستبد باسم الحجابة لشرفها . فكان المنصور بن أبي عامر وأبناؤه كذلك . ولما بدؤوا في مظاهر الملك وأطواره جاء من بعدهم من ملوك الطوائف فلم يتركوا لقبها وكانوا يعدونها شرفًا لهم وكان أعظمهم ملكًا بعد انتحال ألقاب الملك وأسمائه لا بد له من ذكر الحاجب وفي الوزارتين يعنون به السيف والقلم ويدلون بالحجابة على حجابة السلطان عن العامة والخاصة وبذي الوزارتين على جمعه لخطتي السيف والقلم . ثم لم يكن في دول المغرب وإفريقية ذكر لهذا الاسم للبداوة التي كانت فيهم .

(2) المنصور بن أبي عامر: حكم في الفترة 370-392هجرية هو محمد بن عبد الله بن عامر بن محمد أبي عامر بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك المعافري القحطاني . أبو عامر ، المعروف بالمنصور بن أبي عامر . هو من أسرة يمنية الأصل تنتسب إلى قبيلة معافر اليمنية . دخل جده عبد الملك إلى الأندلس مع طارق بن زياد وأظهر شجاعة في بعض العمليات العسكرية فمنح إقطاعات في الجزيرة الخضراء . قدم ابن أبي عامر إلى قرطبة شابا وأتم دراسته في جامع قرطبة ودرس الأدب على يد أبي على القالي ، وقرأ الفقه على يد أبي بكر بن القوطية والحديث على يد أبي بكر بن معاوية القرشي وغيره ، وفتح دكانا عند باب قصر الخليفة ليكتب للناس الطلبات والعرائض والالتماسات ، وسرعان ما استهوى الناس بذكائه ومهارته ، وبلغ خبرة الأميرة (صبح) زوجة الحكم المستنصر وأم ابنه (هشام) فعهدت إليه بالنظر في أمورها ووكلته بإدارة ضياعها الخاصة ، فأظهر كفاءة أعجبت بها وتوسطت عند زوجها الخليفة فولاه أمانه دار السكة (ضرب النقد) وبعد ذلك ولاه قضاء مدينة (ربة) ثم رقاه وولاه الشرطة والإشراف على أموال الزكاة والمواريث ، ثم جعله وكيلا لولده هشام ولي عهده ، ثم رفعه إلى الوزارة . لما مات الحكم المستنصر كان ابنه هشام صغيرا وخيف الاضطراب ، فضمن ابن أبي عامر لأم هشام سكون البلاد واستقرار الملك لابنها . كان يطمع بالاستيلاء على الملك ووضع خطة بارعة نفذها بذكاء وإحكام واتبع في تنفيذها المراحل الآتية: 1 - تقرب من جعفر بن عثمان المصحفي ، حاجب القصر ، وصاحب السلطة في الدولة وأقنعه بطرد حراس القصر ، وكانوا من الصقالبة الخصيان ، المعروفين بشدة البأس والقوة ، فنكبهم المصحفي وطردهم من القصر وأبدلهم بحراس اختارهم ابن أبي عامر من البربر. 2 - تقرب بعد ذلك من القائد غالب الناصري وكان من موالي الخليفة عبد الرحمن الناصر وهو من أعظم قادة الدولة وأمير مدينة (سالم) والثغر الأعلى وتآمر ابن أبي عامر معه ومع الحاجب المصحفي على قتل المغيرة أخي الحكم المستنصر وعم هشام بن عبد الملك وكان المغيرة يطمع بالخلافة ، فقتلوه وبايعوا هشاما ولقبوه (المؤيد) ولم يكن قد تجاوز العاشرة من عمره . 3 - استطاع بدهائه أن يزيح الحاجب المصحفي ، فتزوج من أسماء بنت القائد غالب وبمساعدته استطاع أن يحتل مكان المصحفي ثم يقبض عليه ويسجنه ، ثم يقتله . 4 - وأخيرا انقلب على القائد غالب وتوجه لحربه سنة 371هـ وقتله في المعركة . 5 - حجب (هشام المؤيد) في القصر وأحاطه بخدم اختارهم لخدمته ومنعه من الناس وألهاه بكل ما يلهو به صبي في مثل عمره. ثم له بعد ذلك ما كان يطمع إليه ، واستأثر بالمالك . ظلت الدعوى في أيامه لهشام المؤيد على المنابر ، أما الملك فله وحده . ولم يضطرب عليه شيء مدة حكمه ، لحسن سياسته وعظيم هيبته . تآمر ابنه عبد الله على قتله مع آخرين ، لأن أباه آثر أخاه عبد الملك عليه ، وهو يظلمه حين يساويه به ، لأنه أكثر منه فهما وأعظم شجاعة ، وأن أباه يفكر أن يعهد إليه بالأمر من بعده ، وربما كان في شعور عبد الله أنه مظلوم شيء من الحقيقة ، لأن أباه كان يشك في بنوته ويعتقد أنه ربما كان ولدا غير شرعي ، بمعنى أن أمه لم تكن قد استبرأت تماما حين تزوجها ، فلم يكن يحبه كإخوته ، فلما اكتشف المنصور المؤامرة قبض على ابنه وأمر بضرب عنقه وقتل المتآمرين معه . غزا المنصور بنفسه خمسين غزوة ، لم ينهزم في واحدة منها طوال حكمه الذي استمر خمسا وعشرين سنة ، وجاست خيله في أمكنه لم يكن قد خفق فيها علم إسلامي من قبل ، وسقطت في يد المسلمين (شنت ياقب) في ولاية (جليقة) وهي أقدس مكان لمسيحيي أسبانيا ، ودانت له ملوك أسبانيا شمالا وجنوبا ، وانتصر على ملوك (قشتالة) و (نفارا) و (قطالونيا) ، وأنزل ببلادهم خسائر فادحة . تزوج ابنة (سانشو) ملك (نفارا) التي اعتنقت الإسلام وتسمت باسم (عبدة) وأنجبت للمنصور ابنه عبد الرحمن الذي أطلقت عليه اسم (سانشو) ذكرى لأبيها وكان يشبهه ، وقد حرفت العامة هذا الاسم إلى (شنجول) . مات المنصور في إحدى غزواته بمدينة سالم ولا يزال قبره معروفا فيها ، وخلفه ابنه عبد الملك الملقب بالمظفر . توفى عن 66 عاما وأمر بجمع ما علق عليه من الغبار في غزواته ومواطن جهاده وجعل منها صرة وضعت مع حنوطه عند دفنه . بني مدينة الزاهرة بشرقي قرطبة على النهر الأعظم ، محاكيا بها الزهراء التي بناها الخليفة عبد الرحمن الناصر وبني قنطرة على الجسر محاكيا الجسر الأكبر في قرطبة وزاد في جامع قرطبة مثليه .

واصل المنصور تقربه للفقهاء والعلماء ونزولًا عند رغبتهم أمر بحرق كل الكتب البيزنطية لما فيها من إنحراف دينى وخلقى فحفظ عقائد الناس ثم بدأ يقلل من شأن الأمويين فاستعان في شئون البلاد بالبربر كما أنه أنشأ مدينة الزاهرة بالقرب من مدينة الزهراء فدخلت مرحلة النسيان بعد أن كانت حاضرة الأندلس. نقل للزاهرة الأموال والأسلحة ودواوين الحكم وأصبحت مركز الحكم وفى نهاية هذا العام أمر بحبس الخليفة المؤيد بالله هشام في قصره وأن لا يدخل عليه أحد إلا بإذن ابن أبي عامر نفسه بحجة حمايته. وتحول المؤيد بالله إلى مجرد رمز فقد سكت النقود بإسم ابن أبي عامر والخليفة معا ودعي للاثنين على المنابر وكانت الدعوة على المنابر ضربا من الاعتراف الشعبي ومما أعلى من خبر المنصور ونشر الاعتراف بسلطته بين الناس قضائه على حركة الحسن بن قنون في المغرب ومواجهة جيش الفاطميين وبذلك سيطر على المغرب وعين الحسن السلمى واليًا عليها أما في مجلس الوصاية حيث تقاسم المنصور وغالب الناصري النفوذ فقد خاف غالب الناصري من إزدياد نفوذ المنصور فدبر له مؤامرة لقتله ولكن المنصور نجا منها واستدار على غالب فقتله وأصبح متفردًا بحكم مجلس الوصاية ويقول مؤرخون إن غالب الناصري حضر مع ابن أبي عامر في بعض الغزوات وصعدا إلى بعض القلاع لينظرا في أمرها فجرت محاورة بين ابن أبي عامر وغالب فسبه غالب، وقال له يا كلب أنت الذي أفسدت الدولة وخربت القلاع وتحكمت في الدولة وسل سيفه فضربه لكن بعض من حضروا مواجهة الحليفين السابقين حبس يد الناصري فلم تتم الضربة وشجه فألقى ابن أبي عامر نفسه من رأس القلعة خوفا من أن يجهز عليه فقضى الله تعالى أنه وجد شيئا في الهواء منعه من الهلاك فاحتمله أصحابه وعالجوه حتى برئ أما غالب فلما نجا المنصور من محاولته أدرك أنه هالك فلحق بالنصارى واستعان بهم على غزو الأندلس وقابله ابن أبي عامر بمن معه من جيوش الأندلس فحكمت الأقدار بهلاك غالب وتم لابن أبي عامر ما جد له وتخلصت دولته من الشوائب توجه المنصور بعد أن استتب له الأمر في الداخل نحو ليون وحاصرها بجيوشه واستطاع لأول مرة منذ فتح موسى بن نصير وطارق بن زياد أن يعيد ليون لحكم المسلمين وأسر ثلاثين ألف من القوطز ثم حاصر برشلونة وفتحها وهزم الفرنسيين وأرعب النصارى في الشمال وأصبحوا يدفعون الجزية له ثم عزم المنصور على إعادة جليقية وهى آخر معاقل النصارى في الشمال لحكم المسلمين وكان النصارى في ذلك الوقت يعدون كنيسة شانت ياقب (سان دياجو) بمنزلة الكعبة عند المسلمين فجهز جيشًا بريًا وآخر بحريًا واستطاع بحنكته وبراعته الحربية الوصول إلى سانت ياقب في شهرين فقط ولم يكن النصارى يتوقعون ذلك فهربوا منها فدخلها المنصور وهى فارغة من أهلها وغنم منها مغانم هائلة.

وصل المنصور في عزه إلى درجة أنه في إحدى الغزوات حمل النصارى أموالهم له إلى قرطبة وكانوا يزيحون له قتلاهم من الطريق ليمر هو وجيشه.

ظل المنصور على جهاده حتى بلغ الستين من عمره وفى آخر غزواته أصابه المرض وقويت عليه العلة فاتخذ له سرير خشب ووطئ عليه ما يقعد عليه وجعلت عليه ستارة وكان يحمل على أعناق الرجال والعساكر تحف به، وهجر الأطباء في تلك العلة لاختلافهم فيها وأيقن بالموت واشتغل ذهنه بأمر قرطبة وهو في مدينة سالم فلما أيقن بالوفاة أوصى ابنه عبد الملك وجماعته وخلا بولده وكان يكرر وصايته وكلما أراد ولده أن ينصرف رده وعبد الملك يبكي وهو ينكر عليه بكاءه ويقول وهذا من أول العجز وأمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر وخرج عبد الملك إلى قرطبة ومعه القاضي أبو ذكوان فدخلها أول شوال ليعلن وفاة الحاجب المنصور. صنع المنصور ابن أبي عامر مجدًا لم يصنعه أحد في الأندلس وخاض خمسين معركة لم يهزم فيها مرة. كان يجمع غبارملابسه بعد المعارك وقد أمر بدفنها معه لتشهد على جهاده في سبيل الله يوم القيامة ولما توفى نقش على قبره

آثاره تنبيك عن أخباره

حتى كأنك بالعيون تراه

تالله لا يأتى الزمان بمثله أبدًا ولا يحمى الثغور سواه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت