فهرس الكتاب
أما جامع فاس نفسه فإنه عانى من الضيق بالناس مرة أخرى أيام دولة المرابطين، حتى كان الناس يصلون في الأسواق والشوارع والطرق المحيطة بالجامع، وكانوا يعانون من الحر صيفًا والبرد شتاء، فأمر الأمير علي بن يوسف قاضي القضاة عبدالحق بن عبدالله بن معيشة الغرناطي أن يزيد في المسجد، ويعتني به بنفسه. فأضاف إلى المسجد عام 528هـ ثلاث بلاطات فأصبحت بلاطات، بيت الصلاة عشرا، وزود المسجد بمحراب ومنبر جديدين منقوشين في غاية الاتقان، وأعاد بناء الباب الغربي الكبير المعروف بباب الفخارين (وهو الذي يسمى اليوم باب الشماعين) وبنى على الباب قبة بداخلها نقش جميل بديع، وكسى جميع أبواب المسجد بالنحاس الأصفر، وجعل فوق كل باب قبة، إضافة إلى قبة فوق المحراب زينت بنقوش الذهب واللازورد، وأضاف الأصبغة، فبهرت الناس بحسنها ولألائها، وركب في شماسات القبة (شبابيكها المزخرفة) اشكالًا رائعة من الزجاج الملون...
وقد استغرق بناء المنبر مدة طويلة من الزمن، فلم يتم في عهد القاضي عبد الحق بل أتمه من بعده القاضي عبدالملك القيسي، وقد تولى صناعته وتركيبه الشيخ أبو يحيى العتاد من عود الصندل والأبنوس والنارنج والعناب، ويعتبر هذا المنبر من أجمل منابر الإسلام، ويرتفع بمقدار تسع درجات، وتزين جانبيه تشابكات رائعة متعددة الضلوع قوامها أشكال نجمية ذات رؤوس ثمانية.
وذكر المؤرخون أن الفقيه أبا عبدالله بن داود فرش صحن الجامع واعتنى به، وصنع بكرًا وأشرطة غليظة ركبها في قلاع من شقاق الكتان في سعة الصحن، فإذا اشتدت حرارة الصيف شدت البكرات، فنصبت القلاع وظللت الصحن كله.
وقد اشترك في الأعمال المعمارية في جامع القرويين معماريون ومزخرفون استقدموا من الأندلس قبل سقوطه.
خوف من الموحدين... واخفاء للزخرفة: