فهرس الكتاب
هكذا نشأت فكرة مدينة القيروان التي يعتبرها بعض الباحثين من ( مدن المعسكرات ) ،وقد مثلت في بدايتها قاعدة عسكرية تنطلق منها الجيوش لمواجهة التهديد الخارجي، ولمتابعة الفتوح، ولتثيت الإسلام، ثم تحولت إلى مراكز استيطان للجنود وأسرهم وأهليهم، فيها كل ما في المدن الحضارية الأخرى من أسواق ومهن، وخدمات ومزايال وأقسام، وانتاج واستهلاك.
المسجد أولًا:
…وكما جرت العادة في المدن التي اختطها المسلمون، فقد بدأ عقبة نافع القائد المجاهد بتخطيط مدينة القيروان ـ ومعناها المعسكر الأمامي أو المتقدم ـ فجعل مسجدها الجامع ودار الإمارة مركزًا للتخطيط، ثم أوعز إلى الجند باتخاذ المساكن حول ذلك المركز، كل قبيلة في ناحية.
مشكلة .. وحل:
وكانت المشكلة الكبرى التي أهمت عقبة وأصحابه وولدت الجدل بينهم تحديد القبلة بشكل دقيق، في قت لم تتوفر فيه الوسائل المرشدة إليها، مما جعله يتريث قليلًا قبل إقامة جدارن ذلك المسجد الذي سيكون قدوة لجميع مساجد المغرب الإسلامي فيما بعد، وبقي الخلاف بينهم في ذلك أيامًا، حتى حدث ما لم يكن بالحسبان.
وينقل لنا صاحب البيان المغرب (المؤرخ ابن عذاري) رواية لطيفة عن قبلة جامع القيروان فيقول:
رأى عقبة في منامه من يحدثه قائلًا: إذا أصبحتَ فخذ اللواء في يدك، واجعله على عنقك، فإنك تسمع بين يديك تكبيرًا لا يسمعه أحد من المسلمين غيرُك، فانظر الموضع الذي ينقطع عنك فيه التكبير فهو قبلتك ومحرابك.
فهبّ القائد من نومه فزعًا جزعًا ، فتوضأ وذهب إلى مكان المسجد مع بعض الخاصة من أصحابه، فصلى بهم ركعتين فلما شق ضوء الفجر أستار الظلام وانبلج الصبح أقبل عليه جنده فصلى بهم ركعتي الصبح، وإذا بالتكبير يملأ سمعيه، فسأل أصحابه إن كانوا يسمعون شيئًا؟ فأجابوه بالنفي فعلم أن الأمر من عند الله عز وجل، فحمل اللواء كما أُمر في رؤياه وسار يتبع الصوت، حتى بلغ موضعًا معينًا من أرض المسجد توقف عنده التكبير، فركز فيه