فهرس الكتاب
كان بعض عرب الجزيرة من النصارى قد رفضوا دفع الجزية لكونهم يرونها منقصة ومذمة، فبعث الوليد برؤساء النصارى وعلمائهم إلى أمير المؤمنين فقال لهم: أدُّوا الجزية. فقالوا لعمر: أبلغنا مأمننا، والله لئن وضعت علينا الجزاء لندخلن أرض الروم والله لتفضحُنَّا من بين العرب، فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسكم، وخالفتم أمتكم فيمن خالف وافتضح من عرب الضاحية، والله لتؤدنَّه وأنتم صَغَرة قَمأَة (يعني حقيرين) ولئن هربتم إلى الروم لأكتبن فيكم، ثم لأسبينكم قالوا: فخذ منا شيئًا ولا تسمه جزاء، فقال: أما نحن فنسميه جزاء وسموه أنتم ما شئتم، فقال له علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين ألم يُضْعِف عليهم سعد بن مالك الصدقة؟ قال: بلى، وأصغى إليه فرضي به منهم جزاء، فرجعوا على ذلك (1) ، ومن هذا الخبر نأخذ درسًا في معاملة المتكبرين من الأعداء الذين يخاطبون المسلمين بعزة وأنفة ويهددون باللجوء إلى دول الكفر، فنجد أمير المؤمنين خاطبهم بعنف وحقّرهم وهددهم إذا لجأوا إلى الكفار بالسعي في إحضارهم ومعاملتهم كمعاملة الحربيين من سبي ذراريهم ونسائهم، وهذا أشد عليهم كثيرًا من دفع الجزية، فهذا الجواب القوي أزال ما في رؤوسهم من الكبرياء والتعاظم فرجعوا متواضعين يطلبون من أمير المؤمنين أن يوافق على أخذ ما يريد من غير أن يُسمِّي ذلك جزية، وهنا تدخل علي رضي الله عنه وكان لرأيه مكانة عند عمر لفقهه في الدين، فأشار عليه بأن يُضعِف الصدقة كما فعل سعد بن أبي وقاص بأمثالهم، فقبل ذلك أمير المؤمنين تألفًا لهم ومنعًا من محاولة اللجوء إلى دول الكفر، وقد أصبح هذا الرأي مقبولًا حينما وقع موقعه، وذلك بعد ما أزال أمير المؤمنين ما في نفوسهم من العزة والكبرياء، فأما لو قبل ذلك منهم في بداية العرض فإنهم سيعودون بكبريائهم ولا يؤمن منهم بعد ذلك أن ينقضوا العهد
(1) تاريخ الطبري (5/30) وقد ضعف الدكتور العمري هذه الرواية، انظر عصر الخلافة الراشدة ص167.