فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 661

بلغت المثنى أخبار تحركات يزدجرد الثالث وكانت عيونه تأتيه بتفاصيلها، فكتب بها وبما يتوقع من هجوم مضاد قوي إلى عمر رضي الله عنه، وصدق تقدير المثنى، فلم يصل كتابه إلى عمر حتى كفر أهل السواد وانتقضوا وتنكروا للمسلمين، من كان له منهم عهد ومن لم يكن له، وعاجلهم الفرس، فزاحفوهم مع ثورة أهل الذمة، فلما رأى المثنى ذلك كان يدرك أنه أحرز من التقدم والاكتساح أكثر مما تسمح قوته بالاحتفاظ به، ومن شأن هذا ألا يدوم فخرج في حاميته حتى نزل بذي قار وأنزل الناس بالطف في عسكر واحد، وكان عمر رضي الله عنه أكثر حذرًا فجاءهم كتابه: أما بعد، فاخرجوا من بين ظهراني الأعاجم وتنحوا إلى البر وتفرقوا في المياه التي تلي الأعاجم على حدود أرضكم وأرضهم، ولا تدعوا في ربيعة أحدًا، ولا مضر ولا حلفائهم أحدًا من أهل النجدات، ولا فارسًا إلا اجتلبتموه، فإن جاء طائعًا وإلا حشرتموه، احملوا العرب على الجد إذ جد العجم، فلتلقوا جدهم بجدكم وأقم منهم قريبًا على حدود أرضك وأرضهم حتى يأتيك أمري (1) ،ونزل المثنى بذي قار ووزع المسلمين بالجُل وشراف إلى غُضَي (2) ، وفرّق القوات في المياه من أول صحراء العراق إلى آخرها، من غضي إلى القطقطانة مسالح ينظر بعضهم إلى بعض ويغيث بعضهم بعضًا إن حدث شيء، في حالة ترقب وانتظار لحشد جديد، بينما عادت مسالح كسرى وثغوره واستقر أمر فارس وهم متهيبون مشفقون والمسلمون متدفقون في ضراوة كالأسد ينازع فريسته ثم يعاود الكر، وأمراؤه يكفكفونهم عملًا بكتاب عمر وانتظارًا للمدد، كان ذلك في أواخر ذي القعدة 13هـ يناير 635م (3) ،وقال عمر: والله لأضربن ملوك العجم بملوك العرب. ثم كان أول ما عمل أن كتب إلى عماله على الكور والقبائل، وذلك في ذي الحجة مع مخرج الحجاج إلى الحج، فجاءته أوائل القبائل التي طرقها على مكة والمدينة ومن كان على طريق

(1) تاريخ الطبري (4/301) .

(2) جبال تجاه البصرة.

(3) الطريق إلى المدائن 470.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت