فهرس الكتاب
العامة كما ذكرناها في الأمر الأول, وثبتت بالدليل الخاص كما ذكرنا ذلك في الأمر الثاني, ولا يقال:- إنه أعمرها من التنعيم تتطيبًا لخاطرها فقط لأننا سنقول إن النبي ? لم يكن يجامل في دين الله تعالى بحيث يحبس الجيش هذا الحبس الطويل ويتعب أحب الخلق إليه مع أخيها عبدالرحمن بأعمال العمرة كاملة مع أنها في حقيقتها ليست بمشروعة ولا ثواب ولا أجر فيها وإنما لتطييب خاطرها فقط, هذا لا أظنه يصدر من عاقل, فضلًا عن عالم ولكن بعض الناس يتفوه بأشياء لا يدري عن لوازمها, واختصارًا نقول:- العمرة التي فعلتها عائشة رضي الله عنها, مشروعة أم ليست بمشروعة, فإن قالوا مشروعة فقد وافقونا في مشروعية العمرة للمكي, وإن قالوا مشروعة على وجه الخصوص فيجاب عنهم بأن التخصيص لابد له من دليل وإن قالوا غير مشروعة فقد أتوا بابًا عظيمًا من الاتهام, إذ كيف يجيز النبي ? ما ليس بمشروع في ذاته مجاملة لأحد, فلا مخرج من هذا الإلزام إلا أن نقول مشروعة بل وقد ورد في بعض روايات الصحيح قوله (( انتظري فإذا طهرتي فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ... الحديث ) )ولا يتصور أبدًا أنه ? يأذن ويأمر بما ليس بمشروع في ذاته وهذا ما ندين الله تعالى به. فبان بهذين الأمرين أن العمرة للمكي مشروعة بالأدلة العامة والخاصة.
الأمر الثالث:- إذا ثبت لك مشروعيتها فاعلم أنه لا ينقض المشروعية عدم اعتماره ? من مكة حيث كان بها طيلة ثلاث عشرة سنة لأن الشريعة تتجدد ولا تزال الأحكام تنزل، وشرعية الاعتمار من مكة تأخر حتى أذن النبي ? لعائشة بالعمرة منها، مع أن الأدلة التي أوردناها في الأمر الأول دليل على مشروعيتها أيضًا، فهي أي الاعتمار من مكة تأخرت مشروعيتها إلى ذلك الحين أي بعد هجرته ? إلى المدينة, وأذن بها فعلًا وتطبيقًا في حجته ? سنة عشر من الهجرة, لما أذن لعائشة رضي الله عنها في الاعتمار بعد حجتها, فلا يستدل علينا مستدل بأنها لو كانت مشروعة لفعلها النبي ? إذ كان بمكة لما ذكرته لك من التعليل, فتركه لها لا يدل على أنها غير مشروعة البتة, لكن يدل على أنها لم تشرع بعد, ثم وردت الأدلة بمشروعيتها قولًا وفعلًا, قولًا بالأدلة الحاثة عليها ويدخل فيها أهل مكة بالعموم والإطلاق, وفعلًا لما أذن لأمنا عائشة رضي الله عنها بالاعتمار من التنعيم.
الأمر الرابع:- واعلم رحمك الله تعالى أنه لا يشكل علينا أيضًا عدم اعتماره ? من مكة بعد مشروعيتها, لأننا سنقول:- أن التشريع يؤخذ من أقواله وإقراره, وقد وردت مشروعية العمرة للمكي بالقول كما في الأدلة العامة والخاصة المتقدمة في الأمر الأول والثاني, وقد أمر عائشة رضي الله عنها وأذن لها في الاعتمار, وهذا كاف في مشروعيتها ولا يلزم في شرعيتها أن يباشر فعلها بنفسه, ويوضح