فهرس الكتاب
ذلك أننا اتفقنا جميعًا على مشروعية, بل واستحباب الاعتمار في رمضان, ومستند ذلك قوله ? كما في الحديث السابق في الأمر الأول، ومع ذلك فإنه لم يثبت عنه ? أنه اعتمر في رمضان في دليل صحيح, فهل عدم مباشرته للعمرة في رمضان دليل على عدم استحبابها بعد ثبوت استحبابها بقوله؟ فالجواب:- بالطبع لا, وكذلك نقول في عمرة المكي, إنها ثبتت بقوله وإذنه وإقراره, فهي مشروعة وإن لم يباشرها بنفسه ? وتشريعها بالقول والإذن والإقرار وهذا كاف, لاسيما أنه ? كان يترك الشيء المشروع وهو يحب أن يفعله مخافة فرضيته وأن يشق على أمته.
الأمر الخامس:- قولهم:- إن الطواف للمكي أفضل من العمرة المكية لا نسلمه لأن الطواف جزء من أجزاء العمرة, فكيف يكون الجزء أفضل من الكل, بل القول المستقيم أن يقال:- إن الكل أفضل من الجزء لأن الكل مشتمل على الجزء وزيادة ويقال أيضًا:- إن الطواف للمكي بلا عمرة شيء مستحب, وأما الطواف في العمرة فهو واجب والواجب أفضل من المستحب, والأجر على فعل الواجب أعظم من الأجر على فعل المستحب, ويكفي في تفضيل العمرة قوله ? (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ) )ولم يقل:- الطواف إلى الطواف كفارة لما بينهما فكيف يفضل الطواف المستحب على العمرة الواجبة؟ هذا مالا يكون أبدًا. ثم إن النبي ? لم يرشد عائشة إلى أن تكتفي بالطواف عن العمرة بل أذن لها في أن تفعل ماتشوقت له نفسها, ولو كان الطواف المجرد أفضل لها لأرشدها إليه ?, والله أعلم.
الأمر السادس:- وبعد اعتقاد مشروعيتها فأقول:- إن شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم قد نقلا اتفاق السلف على أنه لا يستحب بل على كراهة الموالاة بين العمرة لمن يحرم من الميقات وما سوا عليه من باب أولى من يعتمر من أدنى الحل, وقال ابن قدامة:- فأما الإكثار من الاعتمار والموالاة بينهما فلا يستحب في ظاهر قول السلف الذي حكيناه ا. هـ. وقال ابن مفلح:- ويكره الإكثار والموالاة بينهما باتفاق ... السلف ا. هـ. فأقول:- إن صح هذا الاتفاق فإنه محمول على الإكثار منها متوالية بلا فاصل بينها, لكن لو كان بينهما فاصل ولو بمقدار ما يخرج شيء من رأسه فلا أظن الكراهة تكون باقية, وقد روى البيهقي بسنده عن أنس (( أنه كان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر ) )وقال ابن قدامة:- وظاهر كلام الإمام أحمد أنه لا يستحب أن يعتمر في أقل من عشرة أيام ا. هـ. ولكن يشكل على هذا الاتفاق ما نقله ابن عبدالبر رحمه الله تعالى فإنه قال:- والجمهور على جواز الاستكثار منها في اليوم والليلة ا. هـ. ويشكل عليه أيضًا ما ذكر النووي رحمه الله تعالى فإنه قال:- لا يكره عمرتان وثلاث وأكثر في السنة الواحدة ولا في اليوم الواحد بل يستحب الإكثار