الصفحة 110 من 145

منها بلا خلاف عندنا ا. هـ. بل لو نظرت إلى عمرة عائشة رضي الله عنها الثانية لوجدت أن الفاصل بينها وبين عمرتها الأولى إنما هو بمقدار خمسة أيام بل أقل لأنها حجت قِرانًا واعتمرت بعد ذلك من التنعيم, بل لو نظرت إلى عمومات الأدلة الماضية في الأمر الأول, لو جدت أنها خرجت مخرج الإطلاق عن الزمان, ولا يقيد المطلق إلا بدليل بل استمع وتفكر في قوله عليه الصلاة والسلام (( تابعوا بين الحج والعمرة ) )وهذه المتابعة مطلقة عن التحديد والأصل بقاء المطلق على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل, وبالجملة فالاتفاق الذي نقله أبو العباس وابن القيم رحمهما الله تعالى إن صح فإنه لا يضرب في أصل المشروعية, بل يفيد أن هدي السلف عدم الإكثار من العمرة, ويوضح هذا أكثر ويجليه ما سيأتي من:-

الأمر السابع:- أن أبا العباس ابن تيمية هو نفسه نص على مشروعية العمرة للمكي من مكة, فإنه قال في الفتاوى:- روى الشافعي عن علي بن أبي طالب ? أنه قال العمرة في كل شهر مرة وعن أنس أنه كان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر وروى وكيع عن إسرائيل عن سويد بن أبي ناجية عن أبي جعفر قال قال علي:- اعتمر في الشهر إن أطقت مرارًا, وروى سعيد بن منصور عن سفيان بن أبي حسين عن بعض ولد أنس أن أناسًا كان إذا كان بمكة فحمم رأسه خرج إلى التنعيم واعتمر, وهذه والله أعلم هي عمرة المحرم فإنهم كانوا يقيمون بمكة إلى المحرم ثم يعتمرون وهو يقتضي أن العمرة من مكة مشروعة في الجملة وهذا مما لا نزاع فيه والأئمة متفقون على ذلك ... الخ كلامه رحمه الله تعالى, فأنت هنا ترى أن أبا العباس ينص على اتفاق أهل العلم على جواز العمرة المكية وهذا يفيدك أن النقاش بين أهل العلم ليس في أصل المشروعية وإنما هو في الموالاة بينها والإكثار منها, وكذلك نص هو نفسه على جواز العمرة من مكة للمكي وذلك في شرح العمدة فإنه قال:- وأما المكي إذا أراد أن يعتمر فإنه يخرج إلى الحل سواءً في ذلك أهل البلد وغيرهم ممن هو في الحرم ا. هـ. وبه تعلم فصل النزاع في هذه المسألة وأن الخلاف بين السلف فيها يشبه أن يكون من الخلاف اللفظي, لأن الجميع اتفقوا على جواز العمرة للمكي, كما حكاه أبو العباس قبل قليل, والجميع اتفقوا على كراهة الإكثار منها والموالاة بينها بلا فاصل, كما حكاه ابن تيمية وابن القيم أيضًا فإن ابن تيمية قد نقل اتفاقين:- الاتفاق الأول:- هو في جواز العمرة من مكة, الاتفاق الثاني:- هو في كراهة الإكثار منها, فأما الاتفاق الأول فلا كلام لنا فيه, ولكن الكلام في الاتفاق الثاني, إذ كيف ينعقد الاتفاق على هذه الكراهة مع وجود المخالف, فإن من العلماء من أجاز العمرة مرارًا والإكثار منها, بل إن ابن تيمية نفسه قد حكى أسماء المجيزين لذلك فقال في الفتاوى:- ورخص في ذلك آخرون - أي في الإكثار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت