فهرس الكتاب
المثال الأول:- لاشك أن تقبيل الحجر من سنن الطواف والأدلة على ذلك كثيرة معروفة وقد تقدم لك منها الشيء الكثير فإذا همت نفسك بتقبيل الحجر فقف وانظر هل يمكنك ذلك من غير إيذاء الناس باللسان أو اليد, أو إيذاء نفسك بإدخالها في زحام أنت لا تقدر عليه ولا تتحمله؟ فإن كان الجواب:- نعم فاذهب وقبل لأنه سنة, وإن كان الجواب بـ (لا) فاتق الله في نفسك وفي إخوانك المسلمين ودع هذه السنة بنية كف الأذى عن نفسك وعن إخوانك الآخرين, واكتف باستلامه أو بالإشارة إليه فقط وهذا والله هو عين الفقه, وهو يدل على سلامة المنهج الذي تسير عليه, فلما تعارضت السنة والحرام عندك قدمت ترك السنة على الوقوع في الحرام, وأعرف رجلًا شيخًا كبيرًا طاعنًا في السن أبت نفسه إلا أن يقبل الحجر فدخل في وسط الزحام وكان ذلك في العشر الأخير من رمضان فلما توسط الناس وازداد تدافعهم كتمت أنفاسه وخارت قواه وسقط مغشيًا عليه وسط ذلك الزحام, فلو لا الله تعالى ثم رجال الأمن لمات تحت أقدام الناس, وجلس مغمىً عليه أسبوعًا كاملًا في أحد مستشفيات مكة, وقد حدثني هو نفسه بهذه القصة, لما سمع مني في بعض الدروس شرحًا لهذه القاعدة, ونعرف امرأة اشتاقت نفسها لتقبيل الحجر, وقالت:- والله لا أرجع إلى بلدي إلا وقد قبلت الحجر فمنعها من معها من النساء ولكن أبت إلا أن تقبله وكانت امرأة قوية, ولكن ما إن دخلت في هذا الزحام العظيم حتى ارتفعت أقدامها عن الأرض ولا تدري في أي مكانٍ سيرميها هذا الموج الهادر من الناس, وسقطت عباءتها وطرحتها وانكشف وجهها فبدأت تصيح بأعلى صوتها حتى احتوتها مجموعة من النساء كن يطفن وأدخلنها وسطهن حتى خرجوا بها إلى السعة, ولا أدري في الحقيقة أي فقه هذا؟ فلابد أن نربي أنفسنا على مراعاة المصالح والمفاسد, والقصص في ذلك كثيرة, فالأول كادت تتلف نفسه من أجل سنة, والآخرى انكشف ستر حيائها بسبب سنة, وهذا مالا تجيزه الشريعة البتة, وكان الواجب على هؤلاء أن يدعوا تطبيق هذه السنة لأنها تؤدي إلى مفاسد أعظم من هذه المصلحة المرجوة, وقد تقرر أن كل سنة في الحج أدى فعلها إلى مفسدة فالمشروع تركها.
المثال الثاني:- لاشك أن الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف الأول من سنن الطواف المؤكدة، وقد ذكرنا الأدلة على ذلك، إلا أن من أراد تطبيق هذه السنة فإنه لابد أولًا من أن ينظر في مكان الطواف، هل يمكنه أن يفعل هذه السنة من غير إيذاء لأحد ولا اعتداءٍ على أحد؟ فإن كان الجواب بـ (نعم) فأهلًا وسهلًا وإن كان الجواب بـ (لا) فالمشروع فيها هو الترك، فإنه ليس من الشريعة أن تدافع الناس ويكثر اصطدامك معه من أجل مراعاة سنة الرمل، نعم إذا كانت الزحمة