الصفحة 134 من 145

حول الكعبة فقط ولو ابتعدت في آخر الصحن تخف أو تزول فلا بأس، لأنه لا يترتب على فعلك لها حينئذٍ مفسدة، إنما الكلام فيما إذا حصل الزحام الكثير وقد رأيت بعض الناس يسرع الخطى حتى إنه ليتعثر أحيانًا في أقدام الناس، ورأيت البعض ممن لم يراع هذه القاعدة قد اصطدم في أحد الحجاج فلتفت عليه ذلك الحاج فقال له شيئًا من اللعن - والعياذ بالله- فما كان من أخينا هذا إلا رد عليه بأزيد منها، فاستبا ودخلا في مرفعات الصوت حتى فصلا بينهم الزحام، فانظر إلى هذا الجاهل الأخرق الأحمق يرتكب الحرام من أجل مراعاة سنة، وأنا في هذه القاعدة لا أهون من شأن السنة - نعوذ بالله من ذلك - وإنما المقصود التنبيه على الموازنة بين المصالح والمفاسد فإذا كان الرمل في الطواف ينفي إلى الدخول فيما لا ينبغي فالمشروع تركه لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وكل سنة في الحج أدى فعلها إلى مفسدة فالمشروع تركها. والله أعلم.

المثال الثالث:- من السنن المؤكدة بعد الطواف صلاة ركعتين خلف المقام، فهاتان الركعتان سنة، وإيقاعهما خلف المقام سنة أيضًا فإذا كان هذا المكان لا يحتاج الطائفون فصل فيه تقبل الله منا ومنك, وأما إذا كان المكان مزدحمًا فلا يجوز ذلك أن تصلي فيه بل صل خلفه في المصابيح أو صلهما في أي جزءٍ من أجزاء الحرم, بل حتى لو صليتهما خارج المسجد فلا بأس فقد ورد أن عمر ? صلاها بذي طوى, أما مزاحمة الناس في هذا المكان ومدافعتهم وإيذاؤهم فإن هذا لا يجوز من أجل مراعاة مكان سنة, فضلًا عن أن من صلاها في هذا المكان لا أظنه سيحقق الخشوع فيهما لكثرة الزحام والتدافع والمهاترات, وقد حصل أن بعض الوافدين في حال الزحام الشديد, أبى إلا أن يصليهما خلف المقام مباشرة, فدافعه الناس وقاوم في أول الأمر فلما سجد وطأه الناس حتى كاد يتلف, وقد رأيت بعض الحجاج من بعض البلاد المجاورة قد تحلقوا حول أحدهم وهو يصلي وأمسك بعضهم بيد بعض يدفعون الناس عنه, فلما فرغ دخل الآخر, والناس في زحمة وضيق حتى لا تكاد أقدامهم تخطو, وهؤلاء قد استحلوا هذا المكان, ولا تسمع إلا عبارات الدعاء عليهم بعدم القبول وعدم التوفيق, وهذا كله من الاعتداء والظلم وبناءً عليه فنقول:- إذا كان صلاتك للركعتين خلف المقام تفضي إلى هذه المفاسد من العدوان والظلم والإيذاء فالواجب عليك تركها, أي ترك فعلها في هذا المكان المخصوص لأن كل سنة في الحج أدى فعلها إلى مفسدة فالمشروع تركها, ولأن مراعاة الفضيلة التي تعود لذات العبادة أولى من مراعاة الفضيلة التي تعود إلى مكانها أو زمانها أي أن مراعاة الصلاة في هذا المكان المخصوص أوجب ذهاب لب الصلاة وروحها الذي هو الخشوع والله أعلى وأعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت