منسوخ لأن حديث ابن عباس وحديث جابر متأخران عن حديث ابن عمر لأن حديث ابن عمر كان في المدينة قبل خروجهم في سفرة الحج وأما حديث ابن عباس فإنه كان في خطبة عرفات وكذلك حديث جابر فإنه كان في أثناء الحج فلو كان القطع واجبًا لبينه لاسيما أنه قد حضر الحج من لم يحضر في المدينة, ولكن هذا ليس هو الراجح بل الراجح حسب الصناعة الأصولية هو وجوب القطع وذلك لأن حديث ابن عباس وجابر مطلقان وحديث ابن عمر مقيد وقد تقرر في الأصول وجوب بناء المطلق على المقيد إذا اتفقا في الحكم و السبب, وهذه الأحاديث قد اتفقت في حكمها وسببها فيجب حينئذٍ حمل المطلق على المقيد, وتقرر أيضًا أن هذا الحمل لا يؤثر فيه كون المطلق متأخرًا عن المقيد, بل يجب الحمل ولو كان المقيد متقدمًا على المطلق, كما قلنا في الخاص والعام, فإننا نبني العام على الخاص ولو كان العام متأخرًا عن الخاص فكذلك هنا وتقرر في الأصول أيضًا أن إعمال الكلام أولى من إهماله, وقوله (( وليقطعهما أسفل من الكعبين ) )من كلام الشارع وإعماله ممكن بلا كلفة, فحيث أمكن إعماله فإنه لايجوز حينئذٍ إلغاؤه وإهماله, فإذا كان إعمال سائر الناس واجب إذا أمكن فكيف بكلام الشارع ? وتقرر في الأصول أيضًا أن الجمع بين الدليلين مقدم على النسخ فإذا أمكن الجمع بين الدليلين فإنه يكون هو الواجب لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ماأمكن كما تقرر في القواعد, وهنا يمكن إعمال الدليلين بحمل المطلق على المقيد فإن قلت:- إن في القطع إفسادًا للخف؟ فأقول:- لا شأن لك بذلك لأنك عبد مأمور فلا حق لك أن تعارض في أمر الشارع ولا خيرة لك فيه أصلًا كما قال تعالى ? وماكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصِ الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا ? إنما عليك أن تقول سمعنا وأطعنا كما قال تعالى ? إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ? وإتلاف جزء يسير من الخف امتثالًا لأمر الله تعالى وأمر رسوله ? ليس بشيء فوا عجبي من النفوس إذا استثقلت ذلك وقامت تبحث فيه عن المخارج, فالحق الراجح في هذه المسألة أن المحرم إذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين, فإن قلت:- إنه قد سمع الحديث المطلق عن القطع من لم يسمع حديث القطع فأقول:- وهل النبي ? مأمور أن يبلغ الشريعة لكل واحد من الأمة بعينه؟ بالطبع لا بل يكفيه أن يبلغه لمن تقوم بهم الكفاية في البلاغ وقد بلغه أتم البلاغ في المدينة والصحابة من أحرص الناس على نشر العلم والخير لاسيما وأهل المدينة الذين سمعوه فإنهم سادات الناس علمًا ودينًا واتباعًا, فلا نحمل الأدلة مالا تحتمل من أجل هذا القطع اليسير, فاللهم أغفر لأهل العلم