وقد تقرر في الأصول أن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه, وقد تقرر في القواعد أيضًا أن الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل, فلا يجوز إثبات شيء من هذه المحظورات إلا بالدليل, وقد سيرنا المحظورات التي ثبتت بالدليل فوجدنا كما يلي:-
الأول:- الجماع ومقدماته, والدليل على ذلك قوله تعالى ? فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ? والصحيح أن الرفث شامل لمباشرة النساء بالجماع ومقدماته وشامل أيضًا للكلام بذلك كأن يقول المحرم لامرأته إن حللنا من إحرامنا فعلنا كذا وكذا والدليل على أن الرفث يراد به الجماع قوله تعالى ? أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ? فالمراد بالرفث في الآية المباشرة بالجماع والمتقرر في الشريعة أنها إذا نهت عن شيء فإنه يدخل ضمنًا النهي عن وسائله من باب سد الذرائع, والكلام بالجماع مع الزوجة مذكر به ومرغب فيه ووسيلة من وسائله فلا بد من سده, قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى (الرفث اسم للجماع قولًا وفعلًا) ا. هـ. وهذا محظور على المحرم بالإجماع, وقد تقرر في الأصول أن الإجماع حجة شرعية يجب قبولها والمصير إليها وتحرم مخالفتها.
الثاني:- حلق الشعر لقوله تعالى ? ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ? والنتف كالحلق, وقد أجمع أهل العلم على ذلك.
الثالث:- تغطية الرأس وهذا بالنسبة للذكر فقط, أي هو محظور في حق الرجال خاصة, والضابط في ذلك يقول:- من غطى رأسه بملاصق معتاد فعليه الفدية, وقد شرحناه في كتابنا ضوابط الحج, والدليل على ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين أن رجلًا سأل رسول الله ?: مايلبس المحرم من الثياب؟ فقال (( لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ... الحديث ) )والشاهد منه النهي عن العمائم والبرانس, فهذه ثبتت بالنص ودخل سائر مايغطى به الرأس عادة من باب القياس فلا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه لا بطاقية ولا بغترة ولا طربوش ولا قلنسوة ولا بخرقة يربطها على رأسه ولا عمامة ونحو ذلك وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في المحرم الذي سقط عن راحلته فوقصته فمات فقال عليه الصلاة والسلام (( اغسلوه بماءٍ وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا ) )وقد أجمع أهل العلم على ذلك.
الرابع:- لبس المخيط, وهذا في حق الذكر خاصة والدليل على ذلك حديث ابن عمر السابق وفيه (( لا يلبس المحرم القميص ولا العمائم ولا البرانس ولا ... السراويلات ... الحديث ) )وفي حديث يعلى بن أمية في الصحيح (( أنزع عنك هذه الجبة ) )وفي لفظ (( وأما الجبة فانزعها ) )