الصفحة 27 من 145

مقدمة على غيرها عند التعارض, ويوضح هذا الوجه الرابع:- وهو أن ابن عباس لم يحضر هذه الواقعة أصلًا لأنه كان صغيرًا في المدينة وهذه الواقعة حصلت في عمرة الحديبية وابن عباس إذ ذاك كان صغيرًا, فالواقعة قد نقلت له وأما ميمونة فإنها صاحبة القصة وأبو رافع باشر كل تفاصيلها فدخول الوهم في رواية ابن عباس هو الأقرب من دخوله في رواية من باشر القصة وعرف جميع تفاصيلها ولذلك قال الإمام أحمد وابن المسيب وغيرهما أن رواية ابن عباس هذه وهم, وعلى هذا فلا إشكال حينئذٍ بين هذه الأحاديث لأن حديث ابن عباس وَهَم فهو شاذ. فالمعتمد في هذه المسألة هو حديث عثمان وحديث ميمونة وحديث أبي رافع, فإن قلت:- إن حديث عثمان لا حجة فيه على تحريم العقد لأن قوله (( لا ينكح المحرم ) )إنما يراد به الوطء لا مجرد العقد, فأقول:- هذا كلام من لم يدقق في لفظ الحديث, وفي القرائن التي تحف به, وبيان ذلك من وجوه:- أحدهما:- أن لفظ الحديث هكذا (( لا ينكح المحرم ولا يُنكحُ ) )بضم الياء وهذا دليل على أن المراد لا يزوج ولا يمكن أن يكون المراد بذلك الوطء لأن الولي إذا زوج قبل الإحرام وطلب الزوج وطء زوجته في إحرام وليها فعليه أن يمكنه من ذلك إجماعًا فدل ذلك على أن المراد بقوله (( ولا ينكح ) )ليس الوطء, بل التزويج كما هو ظاهر. والوجه الثاني:- أنه ? قال (( ولا يخطب ) )والمراد خطبة المرأة التي هي طلب تزويجها وذلك دليل على أن المراد العقد لأنه هو الذي يطلب بالخطبة وليس من شأن وطء الزوجة أن يطلب بخطبة كما هو معلوم. والوجه الثالث:- أن أبان بن عثمان راوي الحديث وهو من أعلم الناس بمعناه فسره بأن المراد بقوله ... (( ولا ينكح ) )أي لا يزوج لأن السبب الذي أورد فيه الحديث هو أنه أرسل له عمر بن عبيد الله حين أراد أن يزوج ابنه طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير فأنكر أبان بن عثمان ذلك أشد الإنكار وبين له أن حديث عثمان عن النبي ? دليل على منع عقد النكاح في حال الإحرام ولا نعلم أن أحدًا من التابعين أنكر عليه هذا التفسير, وقد تقرر في قواعد الأصول أن تفسير الراوي مقدم على غيره مالم يخالف ظاهر الحديث, فهذه الأوجه تفيد إفادة صريحة أن المراد بقوله (( لا ينكح المحرم ولا ينكح ) )العقد لا الوطء والله أعلى وأعلم.

الثامن:- تقليم الأظافر, وهذا المحظور لم أجد منه نصًا يجب المصير إليه, فليس فيه شيء من المرفوعات, ولكن قد نقل ابن المنذر إجماع أهل العلم عليه, وقال الموفق:- أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره, وقد تقرر لنا أن الإجماع حجة شرعية يجب الأخذ بها واعتمادها والمصير إليها لأن المتقرر أن الأمة لا تجتمع على ضلالة, واستدلوا على ذلك أيضًا بالقياس الصحيح المستوفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت