الصفحة 6 من 145

ذكرهما لأنه الأغلب, ذلك لأن غالب الحجاج آفاقيون قادمون من بلاد بعيدة والغالب عجز الإنسان عن المشي على رجليه في المسافات الطويلة وعدم إمكان سفره بلا زاد ولا راحلة وقد تقرر في الأصول أن النص إذا كان جاريًا على الأمر الغالب فإنه لا يكون له مفهوم مخالفة, ولأن الله تعالى قال ? يأتوك رجالًا وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍ عميق ? فقد سوى الله تعالى بين الراجل والراكب, بل وقدم الماشي على رجليه مما يدل على أن قوله ? (( الزاد والراحلة ) )خرج مخرج الغالب, ولذلك فإن هذا القول إنما هو للآفاقي البعيد وأما القريب فإنه لا يشترط ذلك لوجوب الحج عليه من غير خلاف نعلمه والله تعالى أعلى وأعلم.

مسألة:- اعلم رحمك الله تعالى أن العبد إذا توفرت فيه شروط الحج ولكنه عجز عنه بنفسه لمرض لا يرجى برؤه أو لكبر لا يستطيع معه الثبوت على الراحلة فإنه يجب عليه أن يقيم من يحج عنه بماله, وهذا مفرع عن قاعدة:- إذا تعذر الأصل فإنه يصار إلى البدل, ولأن الله تعالى قال ? من استطاع إليه سبيلًا ? وهذا قول جماهير أهل العلم وبه قال علي بن أبي طالب والحسن البصري والثوري وإسحاق وابن المنذر وداود وغيرهم من أهل العلم وبرهان ذلك مارواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع قالت: يارسول الله إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل تقضي عنه أن أحج عنه؟ فقال (( نعم ) )وفي رواية في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال (( نعم ) )وذلك في حجة الوداع, وروى أبو داود في سننه بسنده من حديث عمرو بن أوس عن أبي رزين وهو رجل من بني عامر أنه قال: يارسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن فقال (( حج عن أبيك واعتمر ) )ورواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم والله أعلى وأعلم.

مسألة:- اعلم رحمك الله تعالى أن العبد إذا فرط في السعي للحج مع توفر شروطه حتى مات فإنه يموت عاصيًا آثمًا ويجب الحج عنه من رأس ماله لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته فكانت دينًا عليه وقضاء دين الله أحق, كما قال عليه الصلاة والسلام (( فدين الله أحق بالقضاء ) )وأما من عاجله الموت قبل التمكن فمات غير مفرط فالظاهر أنه لا إثم عليه ولا دين لله عليه لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ذمته ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها, والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت