فهرس الكتاب
عباس والطيب, فقال:- أما أنا فقد رأيت رسول الله ? يضمخ رأسه بالمسك, أفطيب ذلك أم لا؟ )) وهذا الحديث كما ترى رجال إسناده ثقات, ولكن له علتان:-
الأولى:- الانقطاع بين الحسن العرني وابن عباس, فإن الحسن العرني رحمه الله تعالى لم يدرك ابن عباس قاله أبو حاتم, وقال الإمام أحمد:- لم يسمع منه, وأنت خبير بأن هذا الانقطاع سبب قوي من أسباب تضعيف هذا الحديث.
الثانية:- الاختلاف في رفعه ووقفه, فإن أكثر الرواة عن سفيان أوقفوه على ابن عباس رضي الله عنهما ولم يرفعه إلا وكيع في الرواية وأما في روايته الثانية المقرونة بعبدالرحمن بن مهدي فإنها موقوفة أيضًا, فالأشبه بالصواب أن حديث ابن عباس هذا موقوف, وأن رفعه خطأ, والدليل على أنه موقوف أن ابن عباس احتاج لتأييد كلامه بقوله (( أما أنا فقد رأيت رسول الله ? يضمخ رأسه بالمسك, أفطيب ذلك أم لا؟ ) )ولو كان كلامه في أول الحديث من المرفوع لما احتاج إلى تأييده بشيء, مما يفيدك أن الحكم على حديث ابن عباس هذا بأنه موقوف هو الأشبه والأقرب إن شاء الله تعالى. وحيث كان الحديث موقوفًا على ابن عباس فإنه يشترط للاحتجاج به بعد صحة السند أن لا يخالفه صحابي آخر, وابن عباس هنا قد خولف, فقد خالفه ابن الزبير وعائشة رضي الله عنهما لأنهما يريان أنه لا تحلل إلا بعد الرمي والحلق, كما نقله عنهما ابن قدامة في المغني فالحق في هذا الحديث أنه لا يصلح للاستدلال لأنه ضعيف ولأنه مختلف في رفعه ووقفه, وعلى ترجيح وقفه فقد خالف ابن عباس جمعٌ من الصحابة رضي الله عن الجميع وأرضاهم فهذا ثالثًا, وأما رابعًا:- فاعلم أن من جملة ما استدل به من قال بأن التحلل يحصل بمجرد رمي جمرة العقبة أثر مروي عن مكحول عن عمر ? أنه قال (( إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب والصيد ) )كذا ينقله بعض أهل الفقه في كتبهم ولكن لا نعلم لهذا الأثر سندًا تمكن دراسته, فضلًا عن أنه ضعيف بمجرد معرفتنا أن مكحولًا يرويه عن عمر مباشرة, ومن المعلوم أن مكحولًا لم يدرك عمر فهذا الأثر مرسل, وأنت تعلم أن المتقرر في الأصول أن المرسل قسم من أقسام الضعيف، إلا مرسل الصحابي فالقول الصحيح فيه القبول, وأما مرسل غيره فإن الراجح فيه أنه لا يقبل وأما رجال أسناد هذا الأثر الذين هم دون مكحول فإننا لا نعلمهم وبالجملة فهذا الأثر حقه الإطراح لا الاعتماد لأن المتقرر في الأصول أن الحكم الشرعي يفتقر في ثبوته للأدلة الصحيحة الصريحة, فلا يصلح هذا الأثر لأن ينقلنا عن حكم الأصل المتقرر هو بقاء حكم الإحرام لأن الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل, وأما خامسًا:- فاعلم أن من جملة أدلتهم على أن التحلل يحصل بمجرد رمي الجمرة