فهرس الكتاب
مسألة:- اعلم رحمك الله تعالى أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق من واجبات الحج وفي المسألة خلاف لكن هذا هو الراجح, فالمبيت بمنى من جملة مناسك الحج الواجبة وذلك لأن النبي ? بات بها وقال (( لتأخذوا عني مناسككم ) )وهذا فعل مقرون بأمر لساني مفيد للوجوب وقد تقرر في الأصول أن الفعل إذا كان كذلك فإنه يفيد الوجوب, فعلينا أن نأخذ عنه مناسكنا, ومن جملة ذلك البيتوتة بمنى ليالي أيام التشريق ويدل على وجوبه أيضًا ما في الصحيحين (( أن النبي ? رخص للعباس أن يبيت بمكة أيام منى من أجل السقاية ) )وفي رواية (( أذن للعباس ) )وهذا يفيد أن المبيت واجب لأن التعبير بالرخصة والإذن يقتضي أن ما يقابلها عزيمة وأن الإذن وقع للعلة المذكورة وإذا لم توجد هي أو ما في معناها لم يحصل الإذن, ويدل عليه أيضًا أنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه كان يمنع الحجاج من المبيت خارج منى وكان ? يرسل رجالًا يدخلونهم في منى, وهو من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالاقتداء والتمسك بسنتهم ويدل عليه أيضًا ما رواه أبو داود في سننه قال:- حدثنا عبدالله بن مسلمة القعنبي عن مالك (ح) وحدثنا ابن السرح أخبرنا ابن وهب, قال أخبرني مالك عن عبدالله ابن أبي بكر بن محمد بن حزم عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم عن أبيه أن رسول الله ? (( رخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ويرمون يوم النفر ) )"حديث صحيح"فترخيصه لهم بالبيتوتة خارج منى من أجل الرعاية دليل على أن الأصل في البيتوتة الوجوب, فالقول الحق في هذه المسألة هو أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق من أنساك الحج الواجبة والله تعالى أعلى وأعلم.
مسألة:- اعلم رحمك الله تعالى أن أهل الأعذار الملحة لا يجب عليهم المبيت بمنى كأهل السقاية إن عاد زمن الاحتياج إليها, وكرعاة الإبل إن عاد زمن الاحتياج إليها وكالجند المرابطين في أماكنهم لحفظ أمن الحجاج وسلامتهم وهذا من باب قياس الأولى لأنه إذا جاز التخلف عن المبيت من أجل مراعاة حال البهائم فكيف بالتخلف لمراعاة حال الآدميين لا شك أنه أولى بالجواز وأحرى به, وكالمسبوق في المكان الذي بحث وبحث في منى فلم يجد له مكانًا فإن واجب المبيت يسقط عنه لأنه لا واجب مع العجز ولكن من باب الاحتياط عليه أن يبيت حيث انتهت خيام القوم, وليست الطرقات مكانًا للمبيت لما فيه من تعطيل مصالح الناس ولما فيه من إيذاء المارة وأصحاب الحاجات ولما فيه من الخطر العظيم كما هو معروف ويجوز للطبيب أيضًا أن يتخلف عن المبيت لما لابد له منه من مراعاة حال المرضى ومراقبة سير صحتهم. فمن كان له عذر من هذه الأعذار أو ما يقاس عليها أو أولى منها فإنه يرخص له في ترك المبيت في منى ليالي أيام التشريق والله أعلى وأعلم.