... فالإيمان إذًا لا يتم ولا يصح إلا بالبراءة من عبادة غير الله ، وإنكارها ، واعتقاد بطلانها ، والتصريح بذلك ، قال تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ } الحج62 ، وقال جل وعلا في تقرير هذا الأصل العظيم {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } الممتحنة4 ، فقوله { إِنَّا بُرَءاؤ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } فيه البراءة من العابدين لغير الله والمشركين به ، والبراءة من المعبودين من دون الله ، فبراءة من الشرك وأهله ، ثم لم يكتف إبراهيم عليه السلام بالبراءة من الكفر وأهله بالقلب فقط ، حتى أظهر ذلك وأعلنه كما في قوله {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا } أي ظهرت العداوة بيننا ، وهذه العداوة باقية ما بقي الكفر والشرك ، لا يرفعها قرابة ولا نسب ولا بلد كما في قوله { أَبَدًا } .
... وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من قال لا إله إلا الله ، وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه ، وحسابه على الله ) (1) ، فتأمل هداك الله للحق كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل مجرد التلفظ بـ ( لا إله إلا الله ) عاصمًا للدم والمال ، بل ولا معرفة معناها مع لفظها ، بل ولا الإقرار بذلك ، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له ، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك: الكفر بما يُعبد من دون الله ، فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه .
(1) رواه مسلم (23)