... ولم يكن في عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم شيء من المشاهد التي تُقصد وتُزار وتُعبد في كل بلاد الإسلام لا في الحجاز ولا اليمن ولا الشام ولا العراق ولا مصر ولا خراسان ولا المغرب، ولم يكن أُحدث مشهد لا على قبر نبي ولا صاحب ولا أحد من أهل البيت ولا صالح أصلا، بل عامة هذه المشاهد اليوم محدثة بعد ذلك، وكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت خلافة بني العباس وتفرقت الأمة في أواخر المائة الثالثة لما ظهرت القرامطة والباطنية والعبيديون، ولما سيطرت دولة بني بويه على الخلافة في بغداد في أوائل المائة الرابعة.
الأصل الثالث عشر: الشفاعة ملك لله وحده، ولا تُطلب إلا منه، فلا يملكها نبي ولا مَلَكٌ ولا وليُ، وليست من جنس الشفاعة المعهودة بين الخلق:
... من ظن أن الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق تنفع عند الله فقد أخطأ وضل.
... فإن الشفاعة المعهودة عند الخلق يختلف عن الشفاعة عند الله في أمور:
... منها: أن صورة الشفاعة المعهودة عند الخلق: أن الشافع يشفع عند من يرجوه المشفوع إليه أو يخافه كما يشفع عند الملك ابنه أو أخوه أو أعوانه أو نظرائه الذين يخافهم أو يرجوهم ، فيجيب سؤالهم ويقبل شفاعتهم إما رجاءًا فيهم أو خوفًا منهم أو حاجة إليهم.
... ومنها: أن المشفوع إليه كالملك أو الأمير أو غيرهما قد يكون كارهًا للشفاعة فيمن شفعوا فيه، ولكنه يقبل الشفاعة منهم مع كراهيته لها، إما رغبة في رضاهم، وإمارهبة منهم.
... ومنها: أن الشافع يتقدم عند المشفوع إليه للشفاعة من غير إذن المشفوع إليه .
والله تبارك وتعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ولا يشفع أحد في أحد إلا لمن أذن الله للشفيع أن يشفع فيه، فإذا أذن للشفيع شفع وإن لم يسأله الشفيع.