... (الثالث) أن يُقال: لو كان التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم جائزًا، لما احتاج الأعمى أن يذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكان بوسعه أن يدعو في بيته ، فلما لم يفعل ذلك، بل تكلف وأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلب منه الدعاء دل على أن التوسل المراد بالحديث هو التوسل بدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لا بجاهه وذاته.
... (الرابع) أن التوسل بذات النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان جائزا بعد موته، لفعله الصحابة - رضي الله عنهم -، فكونهم تركوه مع قدرتهم عليه ووجود المقتضى يدل على أنه بدعة محدثة. ولذلك استسقى الصحابة بالعباس بن عبدالمطلب واستسقى معاوية - رضي الله عنه - بيزيد بن الأسود الجرشي لما قحطوا - أي بدعائهم.
... فلو استدرك أحدهم وقال: لقد روى الطبراني في الكبير (1) وغيره هذا الحديث وفيه أن عثمان بن حنيف - رضي الله عنه - قد أمر رجلا في عهد عثمان بن عفان - رضي الله عنه - - أي بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -- بأن يقول هذا الدعاء مستدلًا بحديث الأعمى.
فالجواب أن يقال:
... (أولا) أن هذه الزيادة منكرة غير محفوظة، فقد تفرد بها رجل يسمى شبيب بن سعيد الحبطي وله منكرات، وأحسن حديثه ما رواه ابنه عنه من نسخة يونس عن الزهري وليس هذا منها، وأضعف حديثه ما رواه ابن وهب عنه وهذا منها.
... كما أنه خالف من هو أوثق منه وهما شعبة وحماد بن سلمة وهشام الدستوائي فإنهم لم يذكروا هذه الزيادة فتبين أنها من منكراته.
... (ثانيا) أن مثل هذا لو صحت القصة فلا تثبت به شريعة، كسائر ما يُنقل عن آحاد الصحابة في جنس العبادات أو الإباحات أو الإيجابات أو التحريمات إذا لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخالفه ولا يوافقه، لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها.
( الشبهة الثانية )
(1) رواه الطبراني في الكبير (9/30)