... (الأول) ما ثبت في الصحيحين من أن ابن عمر رضي الله عنهما كان في سفره يتتبع الأماكن التي مر عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وينتابها. وهذا يدل على جواز تتبع آثار الأنبياء والتبرك بها.
... (الثاني) ما رواه البخاري (1) من حديث عتبان بن مالك - رضي الله عنه - أنه أراد أن يتخذ في بيته مصلى لما كبر وضعف بصره، فطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيه فيصلي فيه طلبًا للبركة.
... والجواب على هذه الشبهة يكون بإبطال استدلالهم بالحديثين ثم بإبطال أصل المسألة:
... أما فعل ابن عمر رضي الله عنهما فبيان فساد استدلالهم به من وجوه:
... (الأول) أن ابن عمر رضي الله عنهما لم يكن يتخذ من تلك الأماكن التي كان يتتبعها مكانًا للعبادة والذكر ونحو ذلك، بل كان - صلى الله عليه وسلم - يفعل كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فينزل في المكان الذي نزل فيه، وينام في المكان الذي نام فيه، ويبول في المكان الذي بال فيه، فيفعل مثل ما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يكن يتخذ من تلك الآثار مكانًا للصلاة والعبادة. فإذا تتبع أحد هذه الآثار وفعل فيها ما لم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كأن نام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، في مكان فاتخذه المتبع مكانًا للعبادة والصلاة والتمسح لم يكن بذلك متبعًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا مقتديا بابن عمر رضي الله عنهما، بل يكون مبتدعًاَ محدثًا.
... (الثاني) أن المتابعة هي أن نفعل كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، على الوجه الذي فعل، فلا بد إذًا أن نشاركه في القصد والنية، فإنما الأعمال بالنيات، فإذا قصد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، العبادة بالعمل فقَصَدْنا العبادة كنا متبعين متأسين به، وأما إذا لم يقصد به العبادة، بل فعله على وجه الاتفاق لتيسره عليه، فإذا قصدنا العبادة له لم نكن متبعين له.