... (الثالث) أن ابن عمر - رضي الله عنه - أراد مشابهة النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة الفعل، فيفعل مثل ما فعل وذلك لشدة محبته له، ولم يكن يعتقد أن هذا مما يستحب فعله لكل أحد ويتعبد لله به، فلم يأمر أحدا بهذا ولم يستحبه لأحد وإنما كان يفعله بنفسه اجتهادًا منه.
... (الرابع) أن هذا أمرٌ انفرد به ابن عمر - رضي الله عنه -. والخلفاء الراشدون والأكابر من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يكونوا يفعلون ذلك ، وهم أعلم من ابن عمر وأعظم اتباعًا للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلو كان مستحبًا لفعله هؤلاء ، ولذلك لما بلغ الإمام مالكًا رحمه الله أن أناسًا من أهل المدينة يقفون للدعاء عند قبر النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: هذه بدعة لم يفعلها الصحابة و التابعون ثم قال: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) (1)
... (الخامس) أنه قد ثبت عمن هو أكبر من ابن عمر وأجل وهو والده الفاروق عمر - رضي الله عنه - النهي عن مثل فعل ابن عمر.
... فروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما والطحاوي في مشكل الآثار وابن وضاح في البدع (2) أن عمر - رضي الله عنه - لما رجع إلى المدينة بعد الحج رأى أناسًا يذهبون مذهبًا ، فقال: أين يذهب هؤلاء ؟ قالوا: يأتون مسجدًا ها هنا صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( إنما أهلك من كان قبلكم بأشباه هذه ، يتبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا ، من أدركته الصلاة في شئ من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليصل فيها ولا يتعمدنها)
(1) التمهيد 23/10 ، وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية (27/118)
(2) ابن أبي شيبة (2/151) وعبد الرزاق (2/118) والطحاوي في مشكل الآثار (4382) وابن وضاح في البدع (باب ما جاء في اتباع الآثار)