ومنها: أن الراوي لما عمل بخلاف روايته لم يكذب روايته ، أي لم يقل: إن ما رويته ليس بصحيح ، فهو لم يتعرض لروايته بالإبطال ، وعمله بخلافها من غير تكذيب لها ليس بقادحٍ فيها ، فيطلب له العذر في مخالفة روايته لكن مع بقاء روايته ، فالرواية ليست هي المتهمة حتى نرمي بها ، وإنما المتهم هو عمل الراوي فهو الذي يطلب له العذر . فيقال: إنه عمل بخلافها نسيانًا أو غفلةً أو لظنه عدم وجوب العمل بها أو لوجود معارضٍ لها في ظنه هو ، أو لاعتقاده أنها نسخت وكل هذه الظنون والاعتقادات تكون خاصة به هو - رضي الله عنه - غير مجزومٍ بها ولا يلزم قبولها ، لكن تبقى عندنا روايته سالمة عن جميع الاعتراضات ، قالها وهو جازم بصحتها معتقد لها ، فوجب تقديمها على عمله بخلافها لأن عمله يرد عليه احتمالات كثيرة ، وبهذا يتبين لك صحة هذه القاعدة المهمة ، لكن قال الحنفية: لا يمكن أبدًا أن نظن بالصحابة ظن السوء مثلكم ، فإن الصحابة عدول مأمونون في عملهم ونقلهم ، لا يتصور منهم معارضة ما يروونه إلا لعلمهم بوجود ناسخٍ لما رووه، هم قد اطلعوا عليه لكنهم لم ينقلوه اكتفاءً بعملهم بخلاف روايتهم ، فنقلوا الرواية بالقول ونقلوا الناسخ لها بالعمل ، هذا هو الواجب ظنه في الصحابة ، فإنهم عدول لا يجوز البحث عن عدالتهم فإذا خالفوا روايتهم فلابد من هذا التخريج وإلا لخرجوا عن حد العدالة الموجبة لرد جميع روايتهم والبحث عن المعدل لهم ، كذا قالوا - ويشكرون على هذا الظن بالصحابة - كما هي عادة الحنفية فإنهم من أشد الناس تعظيمًا للصحابة ، ومن أكثر الفقهاء ردًا للأحاديث الصحيحة ، فجزاهم الله خيرًا على الأولى ، وعفا عنهم وسامحهم في الثانية ، ومن الذي قال لكم أيها الحنفية الأحبة والعلماء النبلاء ، من الذي قال لكم أن المسألة التي بيننا وبينكم لها تعلق بعدالة الصحابة ، فإننا والله لأشد الناس تزكية لهم واعتقادًا لعدالتهم وأي قدحٍ فيهم إذا قلنا نعمل