الصفحة 105 من 492

بما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي نقلوه لنا هم ، أو ليس في هذا تعظيم لروايتهم وتصديق لهم وتبرئة لهم عن الكذب والغفلة في الرواية ، فإن تقديم روايتهم على رأيهم من أعظم التزكيات لهم ، فإن نسبة الغفلة والخطأ لفعلهم أيسر بكثير من نسبة الغفلة والخطأ لروايتهم ، ثم من الذي قال لكم أن عملهم بخلافه لابد أن يكون لوجود ناسخ اطلعوا عليه ولم ينقلوه فإن هذا فيه اتهام لهم بكتم شيء من العلم ولا يكفي نقله بمجرد العمل فكيف تتوفر همته لنقل المنسوخ ولا تتوفر همته لنقل الناسخ مع أن الأمة تحتاج إلى معرفة الناسخ أشد من حاجتها لمعرفة المنسوخ ، أي قدحٍ بعد هذا القدح ، فإن قلتم: لعل الصحابي غفل عن نقل الناسخ ، فنقول: عالجتم الزلة بعلاجٍ قد فررتم منه ، فإنكم قلتم: نقدم رأيه لأنه لا يمكن أن يغفل عن روايته فلم يعمل بها إلا لوجود ناسخ ، ثم قلتم لم ينقل الناسخ لأنه غفل عنه ، فإذا كنتم سترجعون للغفلة فهلا قلتم من بادئ الأمر أنه عمل بخلاف روايته نسيانًا أو غفلة عنها وارتحتم وأرحتم ، فلماذا تعارضون في غفلته ونسيانه ثم ترجعون تعللون عدم نقله للناسخ بأنه غفل عنه أو ظن أن غيره ينقله أو اطلع عليه وعمل به ونسيه ؟ ما الموجب لذلك كله ؟ وما أوقعكم في ذلك إلا لظنكم التلازم بين القدح في الصحابي وبين العمل بخلاف روايته ، فإنكم تعتقدون أن الصحابي إذا عمل بخلاف روايته فإنه فاسق فذهبتم تبحثون عن مخرج يفك لكم هذا التلازم ، والجواب أنه تلازم باطل فإن مخالفة الحديث نسيانًا وغفلةً أو لاعتقاد المعارض الراجح ليست بقادحة في الراوي ولا غيره وإنما يكون الفسق فيمن خالف الحديث عنادًا بلا عذرٍ ، وهذا هو الذي ننزه الصحابة عنه ، أما مخالفتهم نسيانًا أو لاعتقاد النسخ أو لاعتقاد المعارض الراجح كل هذا موجود وله وقائع كثيرة ، فلماذا حصرتم أنفسكم في أنه ما خالف روايته إلا لتعمده المخالفة ثم قلتم: كيف بالصحابي أن يخالف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت