أقول: هذا هو المقصود من القاعدة وما مضى إنما هو كالمقدمة له ، وقد اختلف الأصوليون في الفعل المجرد عن القول ، ماذا يستفاد منه ؟ على أقوال: فقال بعضهم يستفاد منه الوجوب ، أي كل فعل فعله بقصد القربة فإنه للوجوب كالقول ، وقال بعضهم: بل يستفاد منه الاستحباب والندب ، وقال بعضهم: لا هذا ولا ذاك وإنما يفيد الإباحة ، وقال بعضهم: بل نتوقف فيه إلى ورود المرجح .
والصواب والله أعلم هو ما نصت عليه القاعدة وهو أن فعله - صلى الله عليه وسلم - المجرد عن القول يفيد الندب والاستحباب ، واختار هذا القول أبو العباس بن تيمية وهو المشهور من مذهب الأصحاب ، واختاره ابن حزم والفخر الرازي والبيضاوي وغيرهم ، بل هو مذهب الجمهور ، وهو القول الذي دلت عليه الأدلة ، وذلك لأن هذا الفعل الذي فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التعبد هو طاعة وقربة ، ولا تكون أبدًا خارجة عن الوجوب أو الندب ، أي إما أن تكون واجبة وإما أن تكون مندوبة ، والقدر المشترك بينهما ترجيح الفعل على الترك ، وهذه هي حقيقة المندوب . فقصد القربة يخرجه عن حد الإباحة ، لأن الإباحة لا ترجيح فيها لا لفعلٍ ولا لترك ، والقربة فيها ترجيح الفعل ، فاحتمال الإباحة فيه لا يرد ، فيبقى احتمال الوجوب والندب فهو مشترك بينهما ، والقدر المشترك هو أن فعله خير من تركه وهذا هو الندب ، وبه تعرف أن الراجح هو أن أفعاله التي قصد بها القربة لها حكم الندب ، ولا تنزل إلى مرتبة الإباحة ، ولا ترتقي إلى مرتبة الوجوب ، وهذا هو الذي سوف نطنب في ذكر فروعه إن شاء الله تعالى ، والله أعلم .
(المسألة الخامسة) ما حكم الفعل إذا كان مخالفًا لنهي أو أمرٍ ، أي إذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء ثم فعله (لا على وجه الخصوصية) فما حكم هذا الفعل ؟