الصفحة 134 من 492

(المسألة الثالثة) اعلم - أرشدك الله لطاعته - أن الدليل المطلق يجب العمل به على إطلاقه ولا يجوز تقييده إلا بدليل صحيح ، لا بمجرد الهوى والمذاهب وأقوال الأئمة ، وأن الدليل يطلب ممن ادعى التقييد ، لأنه مدعٍ والبينة على المدعي ، فإذا جاء بدليلٍ شرعي صحيح مثبتٍ لهذا القيد قبلناه ، وإلا فهو مردود عليه ، وذلك لأن الدليل المطلق من كلام الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وكلاهما لا يجوز التحكم فيه بتقييدٍ أو اشتراط أو تقديم أو تأخير إلا بدليل آخر من كلامهما ، أما التحكم والهوى والتعصب فكل ذلك لا يصلح أن يكون مستندًا للعقلاء في تقييد المطلق من كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فأي حكم ورد في الكتاب والسنة مطلقًا فإنه يجرى وجوبًا على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل صحيح ، ولأن هذه الشريعة من مقاصدها التيسير على المكلفين ، وإن إطلاق الأحكام الشرعية عن القيود نوع من أنواع التيسير والتخفيف ، لأن القيد فيه تكليف زائد على التكليف بالمطلق ، وزيادة التكليف قد توجب عدم الامتثال ، فورود الأحكام مطلقة من رحمة الله تعالى بعباده ، فلا يجوز لأحدٍ من الناس أن يقيد المطلق بقيودٍ تخرجه من حيز التيسير إلى حيز التعسير كما يفعله بعض الفقهاء - هداهم الله تعالى - فإن بعضهم: - وهم قليل - يعمدون إلى أحكامٍ وردت في الشريعة مطلقة لا قيود فيها ثم يشترطون فيها شروطًا لا دليل عليه فيضيقون على الناس ما وسعه الله عليهم حتى تذهب روح التشريع من هذا الحكم فيكون في تنفيذه من الآصار والأغلال بسبب هذه القيود الشيء الكثير ، ونضرب لك أمثلة على ذلك حتى ترى كيف أثر هذه القاعدة أعني قاعدة وجوب إجراء المطلق على إطلاقه فأقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت