الصفحة 17 من 492

ومن الوقائع أيضًا أن عمر - رضي الله عنه - رد خبر أبي موسى لما حدثه بحديث أن الاستئذان ثلاثًا فإن أجابك وإلا فارجع ، فقال له عمر:"والله لتأتيني على هذا ببرهان أو لأفعلن بك"، قال: فأتانا ونحن رفقة من الأنصار فقال: يا معشر الأنصار ألستم أعلم الناس بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألم يقل كذا وكذا ، قال: فجعل القوم يمازحونه ، قال أبو سعيد: فرفعت رأسي فقلت: فما أصابك في هذا اليوم من العقوبة من شيء فأنا شريكك ، قال: فأتى عمر فأخبره بذلك ، فقال عمر: ما كنت علمت بهذا"أخرجاه في الصحيحين . فلو كان خبر الواحد يقبل لما فعل عمر ذلك ، أعني لما طلب عمر مع أبي موسى من يشهد له بذلك ."

ومنها: أن عائشة رضي الله عنها ردت خبر تعذيب الميت ببكاء أهله وقد رواه ابن عمر مرفوعًا (( الميت يعذب ببكاء أهله عليه ) )فقالت عائشة: يرحمه الله لم يكذب ولكنه وهم ، إنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجلٍ مات يهوديًا: (( إن الميت ليعذب ، وإن أهله ليبكون عليه ) )، فهذه الوقائع مثبتة لأمرين:

الأول: أن دعوى الإجماع التي ذكرتموها منقوضة بهذه الصور ، فكيف تدعون الإجماع في المسألة .

الثاني: أن هذه الصور دليل على أن خبر الواحد بمجرده لا يقبل ما لم يتأيد بغيره من نصٍ أو إجماعٍ أو تلقٍ له بالقبول ، أما هو بمجرده فلا يقبل والوقائع السابقة نصوص صريحة صحيحة في هذا - أي في رد خبر الواحد - وقالوا:

قال الله تعالى: { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ } وقال: { اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ }

فقد ذم الله تعالى وعاب الذين يتبعون الظنون ويتركون المحكم المتيقن ، وخبر الواحد بمجرده إنما يفيد الظن فالمتبع له إنما هو متبع للظن وهو مذموم فدل ذلك على عدم جواز التعبد به - كذا قالوا - وهذه مجمل أدلتهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت