ومنها: أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حبرٌ من اليهود فقال يا محمد: إنا نجد في التوراة أن الله تعالى يضع السموات على إصبع والأرضين على إصبع والماء والثرى على إصبع والجبال على إصبع ثم يهز بهن فيقول: أنا الملك ، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - تصديقًا لما قال الحبر ، فهذا دليل على أن ما قاله الحبر صحيح يجب اعتقاده ، فنحن بهذا الحديث وبغيره نثبت لله تعالى صفة الأصابع على ما يليق بجلاله وعظمته ، إذ لو كان ما أخبر به الحبر ليس صحيحًا لبين ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .
ومنها: من العلماء من يقول في التيمم: إن السنة فيه ضربتان ، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ، ويستدل على ذلك بما رواه الدارقطني وغيره عن ابن عمر يرفعه (( التيمم ضربتان ، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ) )وقال أكثر العلماء: بل التيمم ضربة واحدة يمسح بها وجهه وكفيه فقط مستدلين بأصح حديث في التيمم وهو حديث عمار في الصحيحين وكان عمار جاهلًا بالتيمم فقال له (( إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا ، فضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ومسح اليمين على الشمال وظاهر كفيه ووجهه ) )وهذا بيان للصفة الشرعية ولم يذكر فيها إلا ضربة واحدة إلى الكفين ، فلو كان ما ذكر نحوه داخلًا في الصفة الشرعية لبينه لعمار لأنه وقت الحاجة للبيان فلما لم يبينه دل على أنه ليس بشيء لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وهذا هو القول الراجح إن شاء الله تعالى ، وأما حديث ابن عمر فخلاصة القول فيه أنه ضعيف مرفوعًا والراجح أنه موقوف ، وقول الصحابي إن ثبت عنه حجة إذا لم يخالف نصًا ولم يخالفه صحابي آخر ، وهنا تحقق الأمران ، فقد خالف حديث عمار ، وخالف ابن عمر جمع من الصحابة والله أعلم .
والفروع على هذه القاعدة أكثر من أن تذكر ، ولعل فيما مضى كفاية لمن شاء الله أن يكفيه والله تعالى أعلى وأعلم .