الصفحة 173 من 492

لكن انظر إلى حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفرٍ فرأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه ، فقال: (( ما هذا ؟ ) )، قالوا: صائم ، قال: (( ليس من البر الصيام في السفر ) )"فهنا إنكار بهذه الشدة على الصيام في السفر حتى أخبر أنه ليس من البر ، مع أنه في الأحاديث لم ينكر الصوم بل قد صام وأجاز الصيام ، فلو كان الصيام في السفر ليس من البر ، فكيف إذًا يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجيز فعله ؟ وكيف لم يقل (( ليس من البر الصيام في السفر ) )على عبد الله بن رواحة ومن صام معه في سفره ؟ بل في حديث أنس السابق"لم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم"، فكل هذا يدلك أن قوله - صلى الله عليه وسلم - (( ليس من البر الصوم في السفر ) )وإن كان بلفظٍ عام ، لكن لا ينبغي إفراده عن صورة سببه ، لأن الصيام في السفر كان واقعًا منه ومن أصحابه كما رأيت في الأحاديث السابقة ، ومع ذلك لم ينكر عليهم ، وإنما أنكر لما رأى حالة هذا الرجل الذي قد شق عليه الصيام حتى أوجب له السقوط والتظليل عليه من حر الشمس فهنا قال هذه الكلمة ، مما يدل على أن صورة السبب لها تأثير في الحكم بدليل صيامه هو في السفر وعدم إنكاره على من صام إنما أنكر الصيام في السفر لما رأى حالة هذا الرجل ، فهذا يبين لك أن حكمه هذا إنما هو لأجل هذا الأمر ، فإذًا قوله (( ليس من البر الصوم في السفر ) )لابد أن يربط بصورة سببه ولا يفرد عنها ، فهذا يرجح مذهب من قال بأن أفضلية الفطر في السفر تربط بالمشقة ، فإذا وجدت المشقة استحب الفطر ، أما إذا لم توجد المشقة فالأفضل الصيام وعلى هذا تتفق جميع الأحاديث وتتآلف . والمقصود الذي أريد إثباته هنا أنه لا يدخل في قوله (( ليس من البر الصوم في السفر ) )إلا من كان كحالة هذا الرجل الذي شق عليه الصوم وأما من لم يشق عليه الصوم فلا يدخل ، لأن صورة السبب هي المؤثرة في الحكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت